الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٤٩٥........................
----------------
وَقَدْ يُبْحَثُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الظُّهُورِ عَلَى الْحَقِّ أَوْ مِنْ ثُبُوتِهِمْ عَلَى الْحَقِّ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ الِاجْتِهَادُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْفَرْدِ الْكَامِلِ.
وَإِذَا عَمَلَ الْقَاضِي أَوْ الْعَالِمُ غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ بِقَوْلِ مُجْتَهِدٍ فِي حَادِثَةٍ فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ قَدْ الْتَزَمَ ذَلِكَ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْإِفْتَاءِ، وَقِيلَ: بِالشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ بِهِ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ إنْ الْتَزَمَهُ، أَيْ إنْ صَمَّمَ عَلَى التَّمَسُّكِ، وَقَالَ السَّمْعَانِيِّ: يَلْزَمُهُ إنْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِحَّتُهُ وَإِلَّا فَلَا، وَبَحَثَ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ وُقُوعِ صِحَّتِهِ فِي نَفْسِهِ الْتِزَامُهُ، كَمَا لَا يَلْزَمُ مِنْ الْتِزَامِهِ أَنْ يَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِحَّتُهُ فَهُمَا مُتَغَايِرَانِ، وَبِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقَعْ فِي نَفْسِهِ صِحَّتُهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ وَلَوْ شَرَعَ فِي الْعَمَلِ لَكِنَّهُ يَجُوزُ، وَعَدَمُ وُقُوعِ صِحَّتِهِ فِي نَفْسِهِ صَادِقٌ بِمَا إذَا تَرَدَّدَ بِالسُّؤَالِ، وَبِمَا إذَا ظَنَّ عَدَمَ صِحَّتِهِ، وَقَدْ يُمْنَعُ الْجَوَازَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إنْ اعْتَقَدَ صِحَّةَ غَيْرِهِ أَوْ رُجْحَانَهُ حَيْثُ مَنَعْنَا تَقْلِيدَ الْمَفْضُولِ ا هـ كَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِهِ إنْ لَمْ يُوجَدْ مُفْتٍ آخَرُ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّ الَّذِي أَفْتَاهُ أَوَّلًا هُوَ الْأَعْلَمُ، فَإِنْ وَجَدَ تَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا، وَالْأَصَحُّ جَوَازُ الرُّجُوعِ إلَى غَيْرِ الْأَوَّلِ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى تُخَالِفُ الْأُولَى، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ سُؤَالُ الْمُجْتَهِدِ، وَالْعَمَلُ بِقَوْلِهِ الْتَزَمَ مَذْهَبَهُ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَيَمْتَنِعُ فِي الْعَصْرِ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِ الْمَذَاهِبُ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَجِبُ الْتِزَامُ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ يَعْتَقِدُهُ أَرْجَحَ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ مُسَاوِيًا، وَلَوْ كَانَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَرْجُوحًا، ثُمَّ يَنْبَغِي السَّعْيُ فِي اعْتِقَادِ الْمُسَاوِي أَرْجَحَ لِيَتَّجِهَ اخْتِيَارُهُ عَلَى غَيْرِهِ، فَقِيلَ: يَجِبُ الْتِزَامُهُ لِأَنَّهُ
قَدْ أَلْزَمَهُ لِنَفْسِهِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْتِزَامَ مَا لَا يَلْزَمُ غَيْرُ مُلْزَمٍ،