الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٤٩٨........................
----------------
مُشْرِكٍ وَلَوْ عُلِمَ مِنْهُ التَّدَيُّنُ وَالتَّحَرُّزُ عَنْ الْكَذِبِ لِأَنَّهُ لَا وُثُوقَ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ، فَكَيْفَ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ فِي أَمْرِ الشَّرْعِ؟ وَلَا رِوَايَةُ صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، أَوْ يُظَنَّ ذَلِكَ فَلَا يَتَحَرَّزُ عَنْ الْكَذِبِ، وَقِيلَ: تُقْبَلُ إنْ عُلِمَ مِنْهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ.
وَإِنْ تَحَمَّلَ الصَّبِيُّ وَأَدَّى بَعْدَ الْبُلُوغِ قُبِلَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِانْتِفَاءِ عَدَمِ الضَّبْطِ، وَلِعِلْمِهِ بِالتَّكْلِيفِ؛ وَقِيلَ: لَا يُقْبَلُ لِأَنَّ الصِّغَرَ مَظِنَّةُ عَدَمِ الضَّبْطِ، فَيَسْتَمِرُّ مَحْفُوظُهُ عَلَى عَدَمِ الضَّبْطِ وَلَوْ بَعْدَ الْبُلُوغِ.
وَإِنْ تَحَمَّلَ الْمُشْرِكُ وَأَدَّى بَعْدَ إسْلَامِهِ أَوْ الْفَاسِقُ وَأَدَّى بَعْدَ تَوْبَتِهِ قُبِلَ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَلَا تُقْبَلُ مِنْ مُبْتَدِعٍ عِنْدَنَا وَعِنْدَ قَوْمٍ مَنْ مُخَالِفَيْنَا لِأَنَّ بِدْعَتَهُ مُفَسِّقَةٌ لَهُ، وَلَوْ بِتَأْوِيلٍ، وَقِيلَ: تُقْبَلُ إنْ لَمْ يُشْرِكْ بِبِدْعَتِهِ وَكَانَ يُحَرِّمُ الْكَذِبَ لِأَمْنِهِ مِنْ الْكَذِبِ، سَوَاءٌ دَعَا النَّاسَ إلَى بِدْعَتِهِ أَمْ لَا، وَقَالَ مَالِكٌ: يُقْبَلُ إلَّا فِيمَا يُقَرِّرُ بِهِ بِدْعَتَهُ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى وَفْقِهَا وَلَا تُقْبَلُ مِمَّنْ يُجَوِّزُ الْكَذِبَ أَوْ يُحَرِّمُهُ، وَكَانَتْ بِدْعَتُهُ شِرْكًا، مِثْلُ الْمُجَسِّمَةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ لِعِظَمِ بِدْعَتِهِ، وَأَجَازَهُ الْفَخْرُ وَأَتْبَاعُهُ إنْ كَانَ لَا يَكْذِبُ، وَاخْتَارَ أَهْلُ الْحَدِيثِ قَوْلَ مَالِكٍ، وَمِنْهُمْ النَّوَوِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ وَيُقْبَلُ مَنْ لَيْسَ فَقِيهًا خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ فِيمَا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ لِأَنَّ مُخَالَفَتَهُ تُرَجِّحُ احْتِمَالَ الْكَذِبِ.
وَيُقْبَلُ الْمُتَسَاهِلُ فِي غَيْرِ الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَذَا الْحَدِيثُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقِيلَ: يُرِيدُ الْمُتَسَاهِلَ مُطْلَقًا لِأَنَّ التَّسَاهُلَ فِي غَيْرِهِ يَجُرُّ إلَى التَّسَاهُلِ فِيهِ، وَيُقْبَلُ الْمُكْثِرُ مِنْ الرِّوَايَةِ، وَهُوَ مَنْ زَادَتْ رِوَايَتُهُ عَلَى أَلْفٍ، إنْ نَدَرَتْ مُخَالَطَتُهُ لِلْمُحَدِّثِينَ، لَكِنْ إذَا أَمْكَنَ تَحْصِيلُ ذَلِكَ الْقَدْرِ الْكَثِيرِ الَّذِي رَوَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي خَالَطَ فِيهِ الْمُحَدِّثِينَ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَلَا يُقْبَلُ فِي شَيْءٍ مِمَّا رَوَاهُ لِظُهُورِ كَذِبِهِ فِي بَعْضٍ لَا نَعْلَمُ عَيْنَهُ.