الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٥٤٧........................
----------------
ثُمَّ قَالَ: لَأَنْ آخُذَ بِرِجْلِك يَا أَخِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَك، فَقَامَ إلَيْهِ أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ فَقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا سَمَّيْتُك سَالِمًا إلَّا لِتَسْلَمَ وَإِنْ كَلَّفُوهُ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَ أَحَدٍ عَلَى مَا لَا يَسْتَحِلُّ بِهِ ضَرْبَ الرَّقَبَةِ وَالرَّجُلُ الْمَضْرُوبُ الْعُنُقَ مِمَّنْ يَحِلُّ دَمُهُ مِمَّنْ طَعَنَ فِي دِينِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ دَلَّ عَلَيْهِمْ أَوْ قَتَلَ أَحَدًا عَنْ الدِّينِ، أَوْ عُلِمَتْ مِنْهُ خَصْلَةٌ يَحِلُّ بِهَا دَمُهُ فَلَا يُطَاوِعُهُمْ عَلَى مَا أَرَادُوا مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ اسْتَحْلَفُوهُ أَنْ لَا يَخُونَهُمْ وَلَا يَغْدِرَ بِهِمْ أَوْ عَلَى أَنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ إذَا أَطْلَقُوهُ فَلَا يَغْدِرُ وَلَا يَخُونُ وَأَمَّا الرُّجُوعُ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَلَيْسَ فِي إنْ ظَهَرَ فُجُورُ هَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ فِي ذَاتِ أَنْفُسِهِمْ، وَظَهَرَتْ الْمَنَاكِرُ عَلَى أَيْدِيهِمْ مَا يُخْرِجُهُمْ مِنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، بَلْ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْمِلَّةِ، وَإِنْ كَانُوا أَهْلَ سُوءٍ، وَمِنْ مَنَاقِبِهِمْ أَنَّهُمْ أَمَّنُوا السُّبُلَ وَالطُّرُقَ، وَجَابُوا الْفَيْءَ وَالْخَرَاجَ، وَنَصَّبُوا الْقُضَاةَ وَالْحُكُومَةَ، وَفِي صَنِيعِ أَبِي بِلَالٍ مِرْدَاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا خَرَجَ عَلَيْهِمْ صَادَفَ أَرْبَعِينَ جَمَلًا مَالًا مِنْ خُرَاسَانَ أَخَذَهَا فَأَنْزَلَهَا وَأَخَذَ مِنْهَا عَطَاءَهُ وَعَطَايَا أَصْحَابِهِ، فَسَيَّبَهَا إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زِيَادٍ وَكَتَبَ لَهُمْ بِذَلِكَ الْبَرَاءَاتِ لَوْ لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ دِيَانَةٍ لَمَا رَدَّهَا إلَيْهِمْ، وَصَنِيعِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ الْجُمُعَةِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَك عَلَيَّ أَنْ لَا أَعُودَ، وَمِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ أَخْذُ الْعَطَايَا مِنْ الْحَجَّاجِ وَشَبَهِهِ