الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٦١١........................
----------------
نَفْسَ الذَّاتِ وَالْقُدْرَةُ نَفْسَ الذَّاتِ لَكَانَ الْعِلْمُ نَفْسَ الْقُدْرَةِ، وَيَرُدُّهُ أَيْضًا أَنَّ مَفْهُومَ الشَّيْءِ مُغَايِرٌ لِحَقِيقَتِهِ، فَالذَّاتُ وَالصِّفَاتُ مُتَّحِدَاتٌ فِي الْحَقِيقَةِ مُتَغَايِرَاتٌ بِالِاعْتِبَارِ وَالْمَفْهُومِ، فَالذَّاتُ كَافٍ فِي ثَمَرَاتِ الصِّفَاتِ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ الذَّاتِ لَكَانَ خَالِقًا لَهَا، فَيَلْزَمُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ خَالِيًا عَنْهَا، أَوْ لَكَانَتْ قَدِيمَةً فَيَلْزَمُ تَعَدُّدُ الْقَدِيمِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ قِدَمِ صِفَةِ غَيْرِ الْمَوْصُوفِ وَقِدَمِ جِسْمٍ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولُوا: الْمَمْنُوعُ قِدَمُ ذَوَاتٍ لَا قِدَمُ
صِفَاتٍ، وَذَاتُ صِفَاتِهِ وَاجِبَاتٌ فَلَا يَحْتَاجُ لِغَيْرِهِ وَالْجَوَابُ بِأَنَّهَا قَائِمَةٌ بِهِ لَا يُفِيدُ مَعَ أَنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ تُحِلُّهُ الْأَشْيَاءُ، وَأَنْ يَكُونَ نَاقِصًا يَكْمُلُ بِالصِّفَةِ، تَعَالَى عَنْ كُلِّ نَقْصٍ، وَالْتِزَامُ جَوَازِ زِيَادَةِ صِفَاتِ الْكَمَالِ عِنَادٌ، وَأَمَّا نَفْيُ رُؤْيَتِهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهَا التَّحَيُّزُ وَالْبُعْدُ وَالْقُرْبُ وَالتَّرْكِيبُ وَالْحُلُولُ فِيهِ وَحُلُولُهُ فِي غَيْرِهِ، وَالْجِهَاتُ وَالطُّولُ وَالْعَرْضُ، وَاللَّوْنُ وَالْجِسْمِيَّةُ وَعَدَمُ الْقُدْرَةِ وَالْجَهْلُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْهَا كُلِّهَا، فَإِنَّكَ إذَا رَأَيْتَ أَحَدًا فِي الْغَرْبِ جَهِلَ مَا فِي الْمَشْرِقِ كُلَّهُ أَوْ بَعْضَهُ وَعَجَزَ عَنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ كُلِّهِ أَوْ بَعْضِهِ، وَأَقَلُّ قَلِيلٍ مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ يُوجِبُ الْحُدُوثَ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْهُ، وَوَافَقَنَا عَلَى ذَلِكَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، وَلِهَذِهِ اللَّوَازِمِ أَبْقَيْنَا آيَةَ نَفْيِهَا عَلَى ظَاهِرِهَا، وَأَوَّلْنَا أَحَادِيثَ إثْبَاتِهَا وَآيَتَهُ عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِهَا فَانْظُرْ هِمْيَانَ الزَّادِ إلَى دَارِ الْمَعَادِ ".
وَنَصَّ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ مَنْ أَجَازَهَا فِي الدُّنْيَا مُشْرِكٌ، يَعْنُونَ إنْ لَمْ يُؤَوِّلْ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْكُمُوا بِشِرْكِ بَعْضِ الْأَشْعَرِيَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِجَوَازِهَا، فَهُمْ لِتَأْوِيلِهِمْ مُنَافِقُونَ كَمُثْبِتِهَا فِي الْآخِرَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا مَنْ حَكَى أَنَّهُ قِيلَ لَهُ فِي الْمَنَامِ: إنَّ هَذَا رَبُّكَ، فَرَآهُ أَوْ رَأَى شَيْئًا فِيهِ فَتَخَيَّلَ فِيهِ