شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٦١٦

........................

----------------

وَمَرَّ أَبُو بِلَالٍ عَلَى فَرَسِهِ يُنَادِي قَوْمَهُ فَوَقَفَ وَسَلَّمَ، فَقَالَ شَابٌّ مِنْهُمْ: فَرَسُكَ حَرُورِيٌّ، قَالَ: وَدِدْتُ وَاَللَّهِ لَوْ أَوْطَأْتُهُ بَطْنَكَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَمَضَى فَقَالَ الْفَتَى لِأَصْحَابِهِ: إنِّي مَقْتُولٌ فَمَشَوْا إلَيْهِ بِالْفَتَى فَقَالُوا: اصْفَحْ عَنْهُ فَصَفَحَ، فَقَالَ: إذَا كُنْتَ فِي مَجْلِسٍ فَأَحْسِنْ حِمْلَانِ رَأْسِكَ، أَيْ احْمِلْ رَأْسَكَ حَمْلًا حَسَنًا فَإِذَا تَكَلَّمْتَ بِمُوجِبِ سُقُوطِ رَأْسِك بِالسَّيْفِ فَقَدْ أَسَأْت حَمْلَهُ، وَمَحِلُّ الشَّاهِدِ أَنَّ قَوْلَ الْفَتَى: فَرَسُك حَرُورِيٌّ، تَعْيِيبٌ مِنْهُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ حَرُورَاءَ، وَلَوْ كَانَ لَا عَيْبَ فِي أَهْلِ حَرُورَاءَ، فَاسْتَحَلَّ بِذَلِكَ أَبُو بِلَالٍ دَمَهُ إذْ تَمَنَّى قَتْلَهُ، وَسَمَّى قَتْلَهُ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَكَنَّى عَنْ قَتْلِهِ بِحَمْلِ فَرَسِهِ عَلَى الْمَشْيِ عَلَى بَطْنِهِ لِأَنَّ مَشْيَ الْفَرَسِ عَلَى بَطْنِ الْإِنْسَانِ قَاتِلٌ لَهُ، وَحَرُورَاءُ بِالْمَدِّ، وَقَدْ يُقْصَرُ: قَرْيَةٌ بِالْكُوفَةِ، وَكَانَ بِهَا

أَصْحَابُنَا، وَكَانَ فِيهِ أَيْضًا نَجْدَةُ وَأَصْحَابُهُ.

وَقِيَاسُ النَّسَبِ إلَى حَرُورَاءَ بِالْمَدِّ حَرُورَاوِيٌّ بِقَلْبِ الْهَمْزَةِ وَاوًا وَإِثْبَاتِ الْأَلِفِ قَبْلَهَا، وَلَمْ يَقُولُوا كَذَلِكَ، بَلْ اسْتَغْنَوْا بِالنَّسَبِ إلَى حَرُورِيٍّ بِالْقَصْرِ وَهُوَ لُغَةً فَحَذَفُوا أَلِفَهُ وُجُوبًا لِأَنَّهَا خَامِسَةٌ كَحُبَارَى فِي حُبَارِيٍّ، وَمِنْ خَوْفِ أَبِي بِلَالٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ جَازَ مَعَ صَاحِبِهِ عَلَى الْحَدَّادِينَ فَسَقَطَ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ وَلَمْ يَزَلْ صَاحِبُهُ يَرُشُّهُ بِالْمَاءِ حَتَّى أَفَاقَ ثُمَّ سَارَا فَاسْتَقْبَلَتْهُمْ امْرَأَةٌ جَسِيمَةٌ بَهِيَّةٌ عَلَيْهَا زِينَةٌ عَظِيمَةٌ فَغُشِيَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ صَاحِبُهُ يَرُشُّهُ بِالْمَاءِ حَتَّى أَفَاقَ، وَرَأَى رَجُلًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ فَرَشَّهُ حَتَّى أَفَاقَ فَقَالَ: مَا هَذَا الَّذِي أَرَى؟ قَالَ: أَمَّا الْمَرَّةُ الْأُولَى فَمُعَايَنَةُ النَّارِ، وَالثَّانِيَةُ تَفَكَّرْتُ كَيْفَ تَقَلُّبُهَا فِي النَّارِ مَعَ الْجَسَامَةِ وَالْحُسْنِ، وَأَمَّا الرَّجُلُ فَكَثِيرًا مَا أَرَاهُ يَشْهَدُ مَجَالِسَ الْمُسْلِمِينَ فَرَجَعَ إلَى مَا رَأَيْتُ مِنْ الْهَيْئَةِ وَالْغِلْمَانِ وَالنُّزْهَةِ، فَاسْتَعَذْتُ مِنْ سَوَابِقِ الشَّقَاءِ، وَمِنْ تَوَرُّعِهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُمْ يَبِيعُونَ حُلِيَّ سُيُوفِهِمْ مِنْ الْحَاجَةِ، وَأَبَوْا أَخْذَ الْمَالِ إلَّا مَنْ لَهُ عَطَاءٌ.

١٠٬٨٩٤ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.