شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٧٠٢

عَنْ مَظَانِّ عَدَمِهِ لَا بِالْقُرْبِ وَكَفِّ النَّفْسِ فَإِنَّ الْمَرْءَ أَسِيرُهَا عِنْدَ قُرْبِهِ لِمَا تَسْتَلِذُّهُ .............................

----------------

جَمْعُ بُعْدٍ - بِضَمِّ الْبَاءِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ (عَنْ مَظَانِّ) - بِتَشْدِيدِ النُّونِ - جَمْعُ مَظِنَّةٍ، اسْمُ مَكَان مَجَازِيٍّ، أَيْ الْأَشْيَاءُ الَّتِي هِيَ مَحِلٌّ لِلظَّنِّ (عَدَمِهِ)، أَيْ عَدَمِ التَّوَرُّعِ (لَا بِالْقُرْبِ) مِنْ الْمَظَانِّ (وَكَفِّ النَّفْسِ) عَنْهَا، أَيْ لَا يَحْصُلُ الْوَرَعُ لِمَنْ يَقْرَبُ مِنْ مَظَانِّ الْمَعَاصِي وَيَتَكَلَّفُ كَفَّ النَّفْسِ عَنْهَا إذْ يَعْسُرُ عَلَيْهِ الْكَفُّ عَنْهَا مَعَ

الْقُرْبِ مِنْهَا، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ﴾، (فَإِنَّ)، أَيْ لِأَنَّ (الْمَرْءَ أَسِيرُهَا)، أَيْ أَسِيرُ النَّفْسِ (عِنْدَ قُرْبِهِ لِمَا تَسْتَلِذُّهُ)، فَإِذَا اسْتَلَذَّتْ مَعْصِيَةً وَقَرُبَتْ مِنْهَا عَسُرَ جَذْبُهَا عَنْهُ.

وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّذَّةَ الْأُخْرَوِيَّةَ - وَهِيَ لَذَّةُ الْجَنَّةِ - فِيهَا هِيَ ارْتِيَاحُ النَّفْسِ عِنْدَ إدْرَاكِ مَا تُدْرِكُ مِنْ الْأَشْيَاءِ، فَلَا تَفْتَقِرُ إلَى أَلَمٍ يَتَقَدَّمُهَا أَوْ يُفَارِقُهَا، فَيَجِدُ أَهْلُهَا لَذَّةَ الشُّرْبِ مِنْ غَيْرِ عَطَشٍ، وَلَذَّةَ الْمَطْعُومِ مِنْ غَيْرِ جُوعٍ، وَاللَّذَّةُ الدُّنْيَوِيَّةُ ثَلَاثَةٌ: عَقْلِيَّةٌ وَحِسِّيَّةٌ وَخَيَالِيَّةٌ، وَكُلٌّ مِنْهُنَّ دَفْعُ أَلَمٍ، وَالْأُولَى بَدَهِيَّةٌ، وَحَصَرَهَا الْفَخْرُ وَالسُّبْكِيُّ فِي الْمَعَارِفِ، أَيْ مَا يُعْرَفُ، أَيْ يُدْرَكُ وَمَا يَقَعُ فِي الْوَهْمِ، أَيْ الذِّهْنِ مِنْ لَذَّةٍ حِسِّيَّةٍ، كَقَضَاءِ شَهْوَةِ الْبَطْنِ وَشَهْوَةِ الْفَرْجِ، أَوْ خَيَالِيَّةٍ، كَحُبِّ الِاسْتِعْلَاءِ وَالرِّئَاسَةِ فَهُوَ دَفْعُ الْأَلَمِ، فَلَذَّةُ الْأَكْلِ دَفْعُ أَلَمِ الْجُوعِ، وَلَذَّةُ الشُّرْبِ دَفْعُ أَلَمِ الْعَطَشِ، وَلَذَّةُ الْجِمَاعِ دَفْعُ أَضْعَافِ الْمَنِيِّ لِمُحَالِهِ، وَلَذَّةُ الِاسْتِعْلَاءِ وَالرِّئَاسَةِ دَفْعُ أَلَمِ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ.

وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا الطَّبِيبُ: اللَّذَّةُ هِيَ الْخَلَاصُ مِنْ الْأَلَمِ بِدَفْعِهِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ قَدْ يُلْتَذُّ بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ سَبْقِ أَلَمٍ بِضِدِّهِ، كَمَنْ وَقَفَ عَلَى مَسْأَلَةِ عِلْمٍ أَوْ كَنْزِ مَالٍ فَجْأَةً

١٠٬٩٨٠ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.