الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٧١٢فَمَنْ عَرَفَهُ تَصَوَّرَ تَبْعِيدَهُ وَتَقْرِيبَهُ، فَخَافَ. وَرَجَا وَأَصْغَى وَالنَّهْيُ، .............................
----------------
أَيْ لَا يُوصَفُ بِالْجَوَارِحِ وَالْجِسْمِيَّةِ كَمَا لَا يُوصَفُ بِالْعَرَضِ، وَقَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: يُصْمَدُ إلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ، أَيْ يُقْصَدُ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: السَّيِّدُ الَّذِي يَنْتَهِي إلَيْهِ السُّؤْدُدُ وَهُوَ رَاجِعٌ لِلْقَوْلِ قَبْلَهُ، لِأَنَّهُ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ قُصِدَ بِالْحَوَائِجِ، وَإِذَا قِيلَ: إنَّهُ بِمَعْنَى الْبَاقِي الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَزُولُ، فَمِنْ حَقِّ مَنْ عَرَفَهُ بِهَذَا الْوَصْفِ أَنْ يَعْرِفَ نَفْسَهُ بِالْفَنَاءِ وَالزَّوَالِ وَوَشْكِ الِارْتِحَالِ، وَيُلَاحِظَ الْكَوْنَ بِعَيْنِ الْفَنَاءِ فَيَزْهَدُ فِي حُطَامِهَا وَلَا يَرْغَبُ فِي حَلَالِهَا فَضْلًا عَنْ حَرَامِهَا (فَمَنْ عَرَفَهُ)، أَيْ عَرَفَ اللَّهَ جَلَّ جَلَالُهُ بِمَا يُعْرَفُ بِهِ مِنْ صِفَاتِهِ (تَصَوَّرَ تَبْعِيدَهُ)، أَيْ تَبْعِيدَ اللَّهِ لَهُ بِالْخِذْلَانِ وَالْإِضْلَالِ.
(وَتَقْرِيبَهُ) لَهُ بِالْهِدَايَةِ وَالتَّوْفِيقِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يَسْتَحْضِرُ بِقَلْبِهِ صُورَةَ التَّبْعِيدِ وَالتَّقْرِيبِ اللَّذَيْنِ لَا بُدَّ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَتَقْرِيبُهُ هُوَ نَفْسُ هِدَايَتِهِ وَتَوْفِيقِهِ، وَتَبْعِيدُهُ هُوَ نَفْسُ خِذْلَانِهِ وَإِضْلَالِهِ، فَالْبَاءُ لِلتَّصْوِيرِ وَالْهَاءَانِ لِلَّهِ، أَيْ تَبْعِيدُهُ الْمُكَلَّفَ الْعَارِفَ وَتَقْرِيبُهُ الْمُكَلَّفَ، وَيَجُوزُ عَوْدُهَا لِذَلِكَ الْمُكَلَّفِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ لِلْمَفْعُولِ عَلَى هَذَا، أَوْ الْفَاعِلُ هُوَ اللَّهُ، وَإِنَّمَا فَسَّرْت التَّبْعِيدَ وَالتَّقْرِيبَ بِذَلِكَ لِاسْتِحَالَةِ قُرْبِ الْمَسَافَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعَالَى وَمَا ذَكَرْته مِنْ تَفْسِيرِ
التَّصَوُّرِ بِاسْتِحْضَارِ صُورَةِ التَّبْعِيدِ وَالتَّقْرِيبِ أَوْلَى مِنْ تَفْسِيرِهِ بِالتَّصْدِيقِ بِالتَّبْعِيدِ وَالتَّقْرِيبِ وَعِلْمِهِمَا (فَخَافَ) التَّبْعِيدَ أَوْ الْعِقَابَ أَوْ كِلَيْهِمَا بِحَسَبِ حَالِهِ فِي إجْلَالِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا.
(وَرَجَا) أَيْ رَجَا التَّقْرِيبَ أَوْ الثَّوَابَ أَوْ كِلَيْهِمَا بِحَسَبِ حَالِهِ كَذَلِكَ، أَلَا تَرَى قَوْلَهُ: لَوْ لَمْ يَخَفْ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، وَكَذَا: لَوْ لَمْ يَرْجُهُ لَمْ يَعْصِهِ وَلَمْ يُقَصِّرْ فِي الْعِبَادَةِ (وَأَصْغَى) بِقَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ بَعْدَ الْإِصْغَاءِ بِإِذْنِهِ لِلْأَمْرِ بِالطَّاعَةِ (وَالنَّهْيُ)