الجزء السابع عشر
الجزء ١٧ · صفحة ٧١٦فَذُو النَّفْسِ الَّتِي تَأْبَى إلَّا الْعُلُوَّ الْأُخْرَوِيَّ يَرْفَعُهَا بِالْمُجَاهَدَةِ مِنْ سَفْسَافِ الْأُمُورِ، وَيَجْنَحُ بِهَا إلَى مَعَالِيهَا مِنْ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ، وَدَنِيءُ الْهِمَّةِ لَا يُبَالِي بِمَا تَدْعُوهُ إلَيْهِ فَيَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَ، .............................
----------------
تَعَالَى رَأْفَتُهُ تَعَالَى بِهِ فِي شِدَّةِ الْمَوْتِ، حَتَّى كَأَنَّهُ الْكَارِهُ لِشَيْءٍ الْمُتَرَدِّدُ هَلْ يَفْعَلُهُ وَإِذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ (فَذُو النَّفْسِ الَّتِي تَأْبَى)، أَيْ تَمْتَنِعُ، أَيْ لَا تَقْبَلُ أَوْ لَا تُرِيدُ (إلَّا الْعُلُوَّ الْأُخْرَوِيَّ) وَلِكَوْنِ أَبَى بِمَعْنَى لَا تَقْبَلُ أَوْ لَا تُرِيدُ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ النَّفْيِ صَحَّ التَّفْرِيعُ مَعَهُ لِمَا بَعْدُ أَلَّا (يَرْفَعُهَا بِالْمُجَاهَدَةِ مِنْ سَفْسَافِ الْأُمُورِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِهَا، أَيْ رَدِيءِ الْأُمُورِ مِنْ الْأَخْلَاقِ الْمَذْمُومَةِ، كَالْكِبْرِ وَالْغَضَبِ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ وَسُوءِ الْخُلُقِ، وَقِلَّةِ الِاحْتِمَالِ، وَأَصْلُهُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ مَا يَطِيرُ مِنْ غُبَارِ الدَّقِيقِ إذَا نُخِلَ وَالتُّرَابِ إذَا أُثِيرَ (وَيَجْنَحُ)، أَيْ يَمِيلُ (بِهَا) أَيْ بِنَفْسِهِ، وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ (إلَى مَعَالِيهَا) أَيْ مَعَالِي الْأُمُورِ (مِنْ الْأَخْلَاقِ الْحَمِيدَةِ) أَيْ الْمَحْمُودِ كَالتَّوَاضُعِ وَالصَّبْرِ وَسَلَامَةِ الْبَاطِنِ وَالزُّهْدِ وَحُسْنِ الْخَلْقِ وَكَثْرَةِ الِاحْتِمَالِ، كَمَا مَثَّلَ الْمَحَلِّيَّ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى تَرْتِيبِ اللَّفِّ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ عَلِيُّ الْهِمَّةِ.
قَالَ الْمَحَلِّيُّ: وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا﴾ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي شُعَبِ
الْإِيمَانِ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَالْأَوْسَطِ (وَدَنِيءُ الْهِمَّةِ) أَيْ رَدِيءُ الِاهْتِمَامِ (لَا يُبَالِي بِمَا تَدْعُوهُ إلَيْهِ) نَفْسُهُ مِنْ الْمُهْلِكَاتِ بِأَنْ لَا يَرْفَعَ نَفْسَهُ بِالْمُجَاهَدَةِ عَنْ سَفْسَافِ الْأُمُورِ (فَيَجْهَلُ) هَذَا الَّذِي هُوَ دَنِيءُ الْهِمَّةِ مَصَالِحَ دِينِهِ (فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَ) أَيْ يَفُوقُ الْجَاهِلِينَ فِي جَهْلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ ذَوِي النُّفُوسِ الْأَبِيَّةِ مُتَفَاوِتُونَ فِي دَرَجَاتِ الْمَعَالِي لَا يَخْلُونَ عَنْ جَهْلٍ، وَجَهْلُ الدَّنِيءِ الْهِمَّةَ فَوْقَ جَهْلِهِمْ، وَالْمُرَادُ