شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السابع عشر

الجزء ١٧ · صفحة ٧٢٩

........................

----------------

مَذْهَبَيْ الْجَبْرِ وَالِاعْتِزَالِ لُزُومُ الْمَحْذُورِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا، أَمَّا مَذْهَبُ الْجَبْرِيَّةِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إنْكَارُ الضَّرُورِيِّ وَهُوَ عَيْنُ الْمُكَابَرَةِ، وَذَلِكَ أَنْ نَعْلَمَ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ وَإِرَادَتِهِ مَدْخَلًا فِي بَعْضِ الْأَفْعَالِ كَحَرَكَةِ الْبَطْشِ دُونَ بَعْضٍ كَحَرَكَةِ الِارْتِعَاشِ، وَأَمَّا مَذْهَبُ الْمُعْتَزِلَةِ فَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ إنْكَارُ الْبُرْهَانِ عَقْلًا وَنَقْلًا عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُ الْأَشْيَاءِ السِّتَّةِ الْمُبْطِلَةِ لِلْجَبْرِ كَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُكَلَّفِ.

وَقَالَ الْكَمَالُ: الْقَوْلُ بِأَنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْمَقْدُورِ لَا عَلَى وَجْهِ التَّأْثِيرِ وَهُوَ الْكَسْبُ مُجَرَّدُ أَلْفَاظٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهَا مَعْنًى وَنَحْنُ إنَّمَا نَفْهَمُ مِنْ الْكَسْبِ التَّحْصِيلَ وَتَحْصِيلُ الْفِعْلِ الْمَعْدُومِ لَيْسَ إلَّا إدْخَالَهُ فِي الْمَوْجُودِ وَهُوَ إيجَادُهُ، وَقَالَ: جَمِيعُ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ أَحْوَالُ الْجَوَارِحِ مِنْ الْحَرَكَاتِ وَالتُّرُوكِ الَّتِي هِيَ أَفْعَالُ النَّفْسِ مِنْ الْمَيْلِ وَالدَّاعِيَةِ وَالِاخْتِيَارِ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَأْثِيرَ لِقُدْرَةِ الْعَبْدِ فِيهِ، وَإِنَّمَا مَحِلُّ قُدْرَتِهِ عَزْمُهُ عَقِبَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى هَذِهِ الْأُمُورَ فِي بَاطِنِهِ عَزْمًا مُصَمِّمًا بِلَا تَرَدُّدٍ، وَتَوَجُّهًا صَادِقًا لِلْفِعْلِ طَالِبًا إيَّاهُ، فَإِذَا وَجَدَ الْعَبْدُ ذَلِكَ الْعَزْمَ خَلَقَ اللَّهُ لَهُ الْفِعْلَ فَيَكُونُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ هُوَ حَرَكَةٌ وَإِلَى الْعَبْدِ مِنْ حَيْثُ هُوَ زِنًى وَنَحْوُهُ، وَهَذَا تَخْلِيطٌ فَإِنَّ كَوْنَهُ زِنًى هُوَ حَقِيقَةُ تِلْكَ الْحَرَكَةِ.

فَالصَّوَابُ أَنَّهُ

مَنْسُوبٌ إلَيْهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَخْلُوقٌ لَهُ، وَإِنَّمَا يَخْلُقُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ هَذَا فِي الْقَلْبِ لِيُظْهِرَ مِنْ الْمُكَلَّفِ مَا سَبَقَ عِلْمُهُ تَعَالَى بِظُهُورِهِ مِنْهُ مِنْ مُخَالَفَةٍ أَوْ طَاعَةٍ وَلَيْسَ لِلْعِلْمِ خَاصِّيَّةُ التَّأْثِيرِ لِيَكُونَ مَجْبُورًا، وَلَا خَلْقَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ تُوجِبُ اضْطِرَارَهُ إلَى الْفِعْلِ لِأَنَّهُ أَقْدَرَهُ فِيمَا يَخْتَارُهُ، وَيَمِيلُ إلَيْهِ مِنْ دَاعِيَةٍ عَلَى الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ إذْ مِنْ الْمُسْتَمِرِّ تَرْكُ الْإِنْسَانِ لِمَا يُحِبُّهُ وَيَخْتَارُهُ وَفِعْلُ

١١٬٠٠٧ / ١١٬٧٠٢ الأصل المصوَّر ١٦ م.ب.