شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٣٢٠

مَعَ مُقِيمِهَا وَلَوْ جَائِرًا

------------

قَيْدًا لِكَوْنِ تَرْكِهَا كَبِيرَةً، بَلْ قَيْدٌ لِكَوْنِ التَّرْكِ يُبَالِغُ فِي الْهَلَاكِ حَتَّى يَكُونَ طَبْعًا عَلَى الْقَلْبِ، فَإِنَّ تَرْكَهَا كَبِيرَةٌ وَلَوْ مَرَّةً، لَكِنْ يَزْدَادُ الْهَلَاكُ بِزِيَادَةِ التَّرْكِ حَتَّى يَكُونَ طَبْعًا بِتَمَامِ ثَلَاثٍ، وَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: مَنْ تَرَكَ الْجُمُعَةَ أَرْبَعًا مُتَوَالِيَاتٍ لَا يَكُونُ لِمَنْ تَرَكَهَا عُذْرٌ إلَّا نَبَذَ الْإِسْلَامَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، وَالْأَرْبَعُ قَيْدٌ لِكَوْنِ التَّرْكِ نَبْذًا لِلْإِسْلَامِ مِنْ وَرَاءِ الظَّهْرِ لَا لِكَوْنِهِ كَبِيرَةً، فَهُوَ عَلَى حَدِّ الْحَدِيثِ قَبْلَهُ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ لِأَنَّ نَبْذَهُ لَيْسَ مِنْ الْعُذْرِ، وَجُمْلَةُ: لَا يَكُونُ لِمَنْ تَرَكَهَا عُذْرٌ، خَبَرُ (مَنْ)، وَيَجُوزُ كَوْنُ مَنْ اسْتِفْهَامِيَّةً اسْتِفْهَامًا إنْكَارِيًّا بِمَعْنَى النَّفْيِ، وَجُمْلَةُ: لَا يَكُونُ لِمَنْ تَرَكَهَا عُذْرٌ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ تَرَكَ الْجُمُعَةَ وَنَبَذَ عَلَى هَذَا بِصِيغَةِ الْفِعْلِ، وَنَصَبَ الْإِسْلَامَ كَأَنَّهُ قَالَ: مَا تَرَكَ أَحَدٌ الْجُمُعَةَ بِلَا عُذْرٍ إلَّا نَبَذَ الْإِسْلَامَ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إلَّا الضَّالُّونَ﴾، (مَعَ

مُقِيمِهَا) مِنْ الْأَئِمَّةِ (وَلَوْ) كَانَ إمَامًا (جَائِرًا) فَتَارِكُهَا خَلْفَ جَائِرٍ عَاصٍ، وَقِيلَ: هَالِكٌ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَقِيلَ: جَائِزَةٌ خَلْفَ الْجَائِرِ لَا وَاجِبَةٌ.

وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ يُقَادُ إلَيْهِ بَعْدَ كِبَرِهِ وَذَهَابِ بَصَرِهِ مِيلَيْنِ خَلْفَ جَائِرٍ، وَفَاتَتْ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ يَوْمًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ لَك عَلَيَّ أَنْ لَا أَعُودَ لِمِثْلِهَا، وَذَلِكَ خَلْفَ إمَامٍ جَائِرٍ، وَإِنَّمَا كَانَتْ الْأُمَرَاءُ تُقِيمُ الْجُمُعَةَ، قَالَ صَحَّارٌ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ عَلَيْنَا جُمُعَتَنَا، وَزَعَمَ بَعْضٌ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ خَلْفَهُ، وَقِيلَ: إنَّمَا تَجِبُ خَلْفَهُ فِي مِصْرٍ مِنْ السَّبْعَةِ، وَلَا تَجُوزُ إنْ أُدْخِلَ فِيهَا مُفْسِدًا، وَقِيلَ: لَا تَجُوزُ إلَّا خَلْفَ إمَامٍ مُتَوَلًّى

١٬٣٠٨ / ١١٬٧٠٢