الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢١٩وَقِيلَ: الْفَقِيرُ أَحْسَنُ حَالًا، وَقِيلَ: عَكْسُهُ. .................
---------------------
كَذَلِكَ، لَكِنْ الْفَقِيرُ مَنْ لَا يَسْأَلُ، وَالْمِسْكِينُ مَنْ يَخْضَعُ بِالسُّؤَالِ، وَيُدَلُّ لِلْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ نُسِبَ لِلْفَقِيرِ مَالٌ وَنُسِبَ لِلْمِسْكِينِ، أَمَّا الْمِسْكِينُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ وَأَمَّا الْفَقِيرُ فَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ: أَمَّا الْفَقِيرُ الَّذِي كَانَتْ حَلُوبَتُهُ وَفْقَ الْعِيَالِ فَلَمْ يَتْرُكْ لَهُ سَبَدًا أَيْ لَمْ يُتْرَكْ لَهُ قَلِيلٌ، وَأُثْبِتَ الْمَالُ أَيْضًا لِلْمِسْكِينِ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ: هَلْ لَكَ فِي أَجْرٍ عَظِيمٍ تُؤْجَرُهُ تُغِيثُ مِسْكِينًا كَثِيرًا عَسْكَرُهُ عَشْرُ شِيَاهٍ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ فَأَثْبَتَ لَهُ عَشْرَ شِيَاهٍ هِيَ كَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ، أَيْ لَا يُسْمَعُ صَوْتٌ سِوَاهَا لَهُ، وَلَا يُبْصَرُ سِوَاهَا لَهُ، أَوْ هِيَ كَسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَيْهَا جِدًّا وَحُبِّهِ لَهَا.
وَنُفِيَ الْمَالُ عَنْ الْمِسْكِينِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، أَيْ مُلْتَصِقًا بِالتُّرَابِ لَا يُطْبِقُ غَيْرَ
ذَلِكَ لِشِدَّةِ حَالِهِ، أَوْ لَا يَمْلِكُ غَيْرَ التُّرَابِ، وَكَذَا يُنْفَى الْمَالُ عَنْ الْفَقِيرِ فِي كَثِيرٍ مِنْ كَلَامِهِمْ فَظَهَرَ أَنَّ كُلًّا مِنْ الْفَقِيرِ وَالْمِسْكِينِ يَكُونُ لَهُ مَالٌ وَيَكُونُ بِلَا مَالٍ، فَهُمَا سَوَاءٌ مِنْ جِهَةِ الْمَالِ وَعَدَمِهِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا مِنْ جِهَةِ الْمَفْهُومِ فَمَفْهُومُ الْفَقِيرِ الْحَاجَةُ أَوْ انْكِسَارُ الْفَقَارِ، وَمَفْهُومُ الْمِسْكِينِ السُّكُونُ أَوْ الْخُضُوعُ فَلَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَال بِتِلْكَ الْأَدِلَّةِ لِلْقَوْلَيْنِ الْآتِيَيْنِ فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ (وَقِيلَ: الْفَقِيرُ أَحْسَنُ حَالًا) لِأَنَّ لَهُ بُلْغَةً وَالْمِسْكِينُ لَا بُلْغَةَ لَهُ، وَهُوَ سَاكِنٌ كَالْمَيِّتِ، (وَقِيلَ عَكْسُهُ)، وَهُوَ أَنَّ الْمِسْكِينَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ لَهُ بُلْغَةً