الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٨٩وَجَازَ الْإِفْطَارُ لِحَامِلٍ وَمُرْضِعٍ إنْ خَافَتَا ضَيَاعَ وَلَدِهِمَا اتِّفَاقًا،
----------------
فَكَذَلِكَ هُمَا، وَلَعَلَّ وَجْهَ مَنْ أَلْزَمَهُمَا الْإِطْعَامَ التَّمَسُّكُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، حَمْلًا لَهُ عَلَى تَقْدِيرِ لَا النَّافِيَةِ أَيْ لَا يُطِيقُونَهُ لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بَرْؤُهُ، وَيُبْحَثُ بِأَنَّ حَرْفَ النَّفْيِ لَا يُحْذَفُ بِاطِّرَادٍ إلَّا فِي جَوَابِ الْقَسَمِ، وَالْفِعْلُ بَعْدَهُ مُضَارِعٌ، وَهَذَا لَيْسَ جَوَابَ الْقَسَمِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَأَمَّا مِثْلُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَنْ تَضِلُّوا﴾، فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَدَّرَ فِيهِ حَذَرٌ أَنْ تَضِلُّوا، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَجْهُ إلْزَامِ الْإِطْعَامِ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ لِحِكَايَةِ حَالٍ مَاضِيَةٍ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ: وَعَلَى الَّذِينَ كَانُوا يُطِيقُونَهُ ثُمَّ زَالَتْ الطَّاقَةُ عَنْهُمْ، وَلَكِنَّهُ خِلَافُ الْمُتَبَادَرِ، وَلَعَلَّهُمْ أَلْزَمُوهُمَا الْإِطْعَامَ اسْتِحْسَانًا، وَعَنْ بَعْضِهِمْ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَطْعَمَ الرَّقِيبَ عَنْهُ وَرَثَتُهُ، وَلَعَلَّهُ عَلَى طَرِيقِ النَّدْبِ لَا الْوُجُوبِ.
(وَجَازَ الْإِفْطَارُ لِحَامِلٍ وَمُرْضِعٍ إنْ خَافَتَا ضَيَاعَ وَلَدِهِمَا) بِالصَّوْمِ (اتِّفَاقًا)، وَإِنْ تَيَقَّنَتَا بِضَيَاعِهِ بِالصَّوْمِ أَفْطَرَتَا وُجُوبًا، وَسَوَاءٌ فِي الضَّيَاعِ هَلَاكُهُ أَوْ ضَعْفُهُ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ هَلَاكُهُ أَوْ ذَهَابُ عُضْوٍ مِنْهُ، أَوْ حِسٍّ كَسَمْعٍ وَبَصَرٍ، وَأَمَّا وَلَدُ غَيْرِهِمَا فَلَا تُفْطِرُ لِخَوْفِ ضَيَاعِهِ، إلَّا إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا أَوْ لَمْ يَقْبَلْ عَنْ غَيْرِهَا، وَكُلُّ مَنْ يُطْعِمُ فَإِنَّهُ يُطْعِمُ بَعْدَ إصْبَاحِهِ مُفْطِرًا غَدَاءَ يَوْمِ فِطْرِهِ وَقْتَ الْغَدَاءِ، وَيُطْعِمُ الْعِشَاءَ بَعْدَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَالْكَفَّارَةِ، وَأُجِيزَ أَنْ يُطْعِمَ لَيْلًا لِيَوْمٍ مَضَى فَطُورًا وَسَحُورًا، وَأُجِيزَ أَنْ يُطْعِمَ لَيْلًا كَذَلِكَ لِيَوْمٍ يُصْبِحُ فِيهِ مُفْطِرًا، كَمَنْ قَدَّمَ الْكَفَّارَةَ عَلَى الْحِنْثِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ فِي قَوْلٍ