الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ١٤٠وَسُنَّ اسْتِلَامُهُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّهْلِيلُ .....
------------------------------------------------
وَتَسْمِيَتُهُ فِي الْحَدِيثِ بِالْأَسْوَدِ حَقِيقَةٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْ مَجَازِ الْأَوَّلِ لَوْ سُمِّيَ بِذَلِكَ وَقْتَ كَوْنِهِ أَبْيَضَ فَبَطَلَ مَا قِيلَ إنَّهُ مَجَازُ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: هُوَ حَجَرٌ أَبْيَضُ مِنْ أَحْجَارِ مَكَّةَ اسْوَدَّ بِمَسِّ الْمُشْرِكِينَ، وَلَا دَلِيلَ لِصَاحِبِ هَذَا الْقَوْلِ فِي تَغَيُّرِهِ وَانْكِسَارِهِ لِأَنَّ مَا فِي الْجَنَّةِ وَلَوْ كَانَ لَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَكَسَّرُ لَكِنْ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْهَا، يَجُوزُ فِيهِ ذَلِكَ، كَمَا قِيلَ: إنَّ مَاءَ النِّيلِ مِنْهَا فَلَوْ بَقِيَ كَمَا هُوَ فِيهَا لَمَا اُسْتُطِيعَ شُرْبُهُ لِشِدَّةِ حَلَاوَتِهِ، وَرُوِيَ أَنَّ آدَمَ خَرَجَ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَالْمَقَامِ مِنْ الْجَنَّةِ، وَلَمَّا كَانَ الطُّوفَانُ رُفِعَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ إلَى الْجَنَّةِ وَهُوَ الْكَعْبَةُ وَالْحَجَرُ الْأَسْوَدُ وَالْمَقَامُ إلَى جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ وَحُفِظَا فِيهِ إلَى أَنْ أَخْرَجَهُمَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِسَيِّدِنَا إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ.
(وَسُنَّ اسْتِلَامُهُ) أَيْ التَّمَسُّحُ بِهِ (وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّهْلِيلُ): أَيْ الْقَوْلُ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ، وَالْإِلَهُ الْمَنْفِيُّ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ الْمَعْبُودُ بِالْبَاطِلِ، فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، وَقِيلَ: الْمَنْفِيُّ الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ عَلَى الْعُمُومِ، فَاسْتُثْنِيَ مَوْلَانَا مِنْهُ اسْتِثْنَاءً مُتَّصِلًا، وَرُدَّ الْأَوَّلُ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ التَّسْمِيَةَ بِالْإِلَهِ إلَّا مَوْلَانَا لِعَدَمِ وُجُودِ مَعْنَاهُ لِغَيْرِهِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْإِلَهَ لُغَةً: اسْمٌ لِكُلِّ مَعْبُودٍ، وَرُدَّ الثَّانِي بِأَنَّ الْمَعْبُودَاتِ الْبَاطِلَةَ مَوْجُودَةٌ فَلَا يَصِحُّ فِيهَا، وَيُجَابُ بِأَنَّهَا نُزِّلَتْ مَنْزِلَةَ الْعَدَمِ، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ صِحَّتِهَا، وَبِأَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ اسْتِحْقَاقِهَا الْعِبَادَةَ وَوُجُوبُ الْوُجُودِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ النَّفْيَ يَكُونُ خَاصًّا بِالْآلِهَةِ الْبَاطِلَةِ وَلَا يَشْمَلُ مَا يَقْدِرُ مِنْ الْآلِهَةِ الْحَقِيقِيَّةِ مَا عَدَا مَوْلَانَا عَزَّ وَجَلَّ فَلَا يُفِيدُ تَوْحِيدًا، وَأُجِيبَ بِأَنَّ التَّخْصِيصَ الْمَذْكُورَ نَظَرٌ لِحَالِ الْمُخَاطَبِ بِهَذِهِ الْكَلِمَةِ وَهُوَ الْمُشْرِكُونَ، وَإِنَّمَا اعْتَقَدُوا الْأُلُوهِيَّةَ فِي الْأُمُورِ الْمَوْجُودَةِ فَنَفْيُهَا هُوَ الْمُحْتَاجُ إلَيْهِ وَبِهِ يَحْصُلُ التَّوْحِيدُ وَالنَّفْيُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ بَابِ عُمُومِ السَّلْبِ لِتَعَلُّقِهِ بِجَمِيعِ أَفْرَادِ الْإِلَهِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، وَعَلَى الثَّانِي مِنْ بَابِ الْعُمُومِ لِتَعَلُّقِهِ