شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١٤٧

..................................................

------------------------------------------------

ثُمَّ يَجِيئُونَ فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَيَحِلُّونَ، فَخَافُوا بَعْدَ الْإِسْلَامِ أَنْ لَا يَجُوزَ الطَّوَافُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْإِهْلَالِ مِنْ الصَّنَمَيْنِ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ رَفْعًا لِلْجُنَاحِ.

وَنَفْيُ الْجُنَاحِ عَنْ الطَّوَافِ لَا يُفِيدُ وُجُوبَ الطَّوَافِ بَلْ يَحْتَمِلُ مَعَهُ وُجُوبُ الطَّوَافِ وَاسْتِحْبَابُهُ وَإِبَاحَتُهُ فَقَطْ وَهِيَ الْمُتَبَادَرَةُ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، فَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ السَّعْيِ خَارِجُ الْآيَةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَعْتَمِرْ هُوَ وَلَا أَحَدٌ فِي زَمَنِهِ بِدُونِ سَعْيٍ، وَأَيْضًا قَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَسْعَ﴾، أَيْ مَنْ

طَافَ لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَقِيلَ: إنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَأَنَّ الْأَصْلَ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا أَوْ فِي أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا بِحَذْفِ الْمُضَافِ أَوْ لَا النَّافِيَةِ، وَقَدْ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، وَأُجِيبَ بِأَنَّهَا قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ لَا تَكُونُ حُجَّةً، وَبِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ زِيَادَةَ لَا، وَإِنَّمَا الْمُتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ فِي أَوْ عَلَى أَوْ الْبَاءِ أَوْ نَحْوِهَا، وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ وَبِهِ قَالَ أَنَسٌ وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَجُمْهُورُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ سُنَّةٌ تُجْبَرُ بِالدَّمِ وَهِيَ سُنَّةٌ وَاجِبَةٌ وَقِيلَ: هُوَ فَرِيضَةٌ يَلْزَمُ الدَّمُ بِتَرْكِهِ.

وَكَذَا مَنْ أَحَلَّ عَلَى سِتَّةِ أَشْوَاطٍ فَخَتَمَ بِالصَّفَا، وَبِقَوْلِنَا قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَاجِبٌ يُجْبَرُ بِالدَّمِ، وَمَنْ قَالَ بِأَنَّهُ فَرْضٌ عَائِشَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ وَلَا حَجَّ لِمَنْ تَرَكَهُ حتَّى وَطِئَ النِّسَاءَ أَوْ خَرَجَ وَقْتُهُ إنْ كَانَ لَهُ وَقْتٌ كَالطَّوَافِ عِنْدَ بَعْضٍ، وَقِيلَ: هُوَ تَطَوُّعٌ