شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ١٦٦

لَيْلَةَ عَرَفَةَ، وَلَزِمَ مَنْ بَاتَ فِي غَيْرِهَا دَمٌ إنْ لَمْ يَأْتِ مِنْ بَعِيدٍ وَفَاتَهُ

------------------------------------------------

الشَّيْخِ مِثْلُ هَذَا، وَيَجْمَعُ ذَلِكَ كُلَّهُ أَنْ يُقَالَ: الْمُرَادُ جَمْعُ الصَّلَوَاتِ بِالْإِمَامِ الظُّهْرُ مَعَ الْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبُ مَعَ الْعِشَاءِ، وَصَلَاةُ الْفَجْرِ وَحْدَهَا بِالْإِمَامِ، قَالَ أَبُو الْحَوَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ: مَنْ بَاعَ وَاشْتَرَى بَعْدَ مَا أَحْرَمَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ أَيْ قَرِيبًا مِنْ إحْرَامِهِ.

وَهُوَ يُرِيدُ مِنًى، أَنَّهُ يَرْجِعُ وَيُحْرِمُ وَعَلَيْهِ دَمٌ، (لَيْلَةَ عَرَفَةَ وَلَزِمَ مَنْ بَاتَ فِي غَيْرِهَا دَمٌ) فَمَنْ مَضَى مَعَ النَّاسِ إلَى عَرَفَةَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ وَخَافَ أَنْ يَرْجِعَ لِمِنًى وَيَبِيتَ فِيهَا لَيْلَةَ الثَّامِنِ (إنْ لَمْ يَأْتِ مِنْ بَعِيدٍ وَفَاتَهُ)، أَيْ: الْمَبِيتُ بِهَا لِإِتْيَانِهِ مِنْ بَعِيدٍ، لِمَا رُوِيَ {أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَقَالَ: أَتَيْتُكَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنْ جَبَلِ الذُّرْعَانَ، قَدْ أَكَلَلْتُ رَاحِلَتِي وَلَمْ أَدَعْ جَبَلًا إلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَنْ شَهِدَ الصَّلَاةَ مَعَنَا، وَوَقَفَ

بِعَرَفَةَ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَقَدْ قَضَى تَفَثَهُ وَتَمَّ حَجُّهُ} وَمَعْنَى قَوْلِهِ لَمْ أَدَعْ جَبَلًا إلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، الْكِنَايَةُ عَنْ كَثْرَةِ مُرُورِهِ عَلَى الْجِبَالِ لِبُعْدِ أَرْضِهِ وَوُقُوفُهُ عَلَيْهَا وُقُوفٌ بِعَيْنَيْهِ إذْ نَظَرَهَا وَعَلَتْ عَلَيْهَا عَيْنَاهُ، أَوْ وُقُوفٌ عَلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِنْ الْجِبَالِ فَقَدْ عَلَا جَسَدُهُ عَلَى أَسْفَلِ الْجَبَلِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْوُقُوفِ الْمُكْثَ بَلْ الْحُصُولَ فِي الْمَوَاضِعِ مَعَ حَرَكَةٍ وَانْتِقَالٍ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿مَنْ شَهِدَ الصَّلَاةَ مَعَنَا﴾، يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ بَعْدَ الرُّجُوعِ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَالْمُرَادُ بِاللَّيْلَةِ لَيْلَةُ النَّحْرِ، وَبِالنَّهَارِ نَهَارُ عَرَفَاتٍ، وَقِيلَ: إنْ وَقَفَ سَاعَةً فِي عَرَفَةَ بَعْدَ الْفَجْرِ وَلَحِقَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْمُزْدَلِفَةِ لِسُرْعَتِهِ وَبُطْءِ الْإِمَامِ عَنْ الصَّلَاةِ تَمَّ حَجُّهُ، وَذَلِكَ قَوْلٌ مَهْجُورٌ، بَلْ مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا ذَكَرْتُهُ، وَمَنْ مَكَثَ بِمِنًى وَخَرَجَ مِنْهَا قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَدْ بَاتَ فِيهَا، فَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: إنْ مَضَى عَلَيْهِ النِّصْفُ أَوْ أَكْثَرُ فَقَدْ بَاتَ، وَقِيلَ: إنْ مَضَى الْأَكْثَرُ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ صَلَاةُ الْفَجْرِ مَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: (وَلَحِقَ مَعَنَا صَلَاتَنَا هَذِهِ) صَلَاةَ الْفَجْرِ، وَلَزِمَ دَمٌ بِنَوْمٍ