شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٢٧٧

فَتَلْزَمُ بِهَا كَفَّارَةٌ إنْ حَنِثَ ، ......................

------------------------------------------------

أَغْوَيْتَنِي} أَيْ فَبِإِغْوَائِكَ إيَّايَ، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقَسَمِ بِفِعْلِ اللَّهِ، قَالَ الْكَرْخِيُّ: الْفُقَهَاءُ قَالُوا الْإِقْسَامُ بِصِفَاتِ الذَّاتِ صَحِيحٌ وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَسَمِ بِصِفَاتِ الْأَفْعَالِ ا هـ.

وَالصَّحِيحُ عِنْدِي جَوَازُ الْقَسَمِ بِصِفَةِ الْفِعْلِ كَمَا جَازَ بِصِفَةِ غَيْرِ الْفِعْلِ، وَمِنْ الْقَسَمِ بِفِعْلِهِ تَعَالَى قَوْله تَعَالَى: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ﴾ أَيْ فَبِإِنْعَامِكَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ هَذِهِ الْبَاءَ لِلْقَسَمِ، وَمِنْ الْحَلِفِ بِالْفِعْلِ - قَوْله تَعَالَى -: ﴿وَمَا بَنَاهَا﴾ ﴿وَمَا طَحَاهَا﴾ ﴿وَمَا سَوَّاهَا﴾ ﴿وَمَا خَلْقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ عَطْفٌ عَلَى الْقَسَمِ، وَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ

أَنَّ (مَا) مَصْدَرِيَّةٌ أَوْ وَاقِعَةٌ عَلَى الْمَصْدَرِ هَكَذَا، وَبِنَائِهَا وَطَحْوِهَا وَتَسْوِيَتِهَا وَخِلْقَةِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، أَوْ وَالْبِنَاءِ الَّذِي بَنَاهَا، وَالطَّحْوِ الَّذِي طَحَاهَا، وَهَكَذَا أَوْ وَبِنَاءٍ بَنَاهَا وَطَحْوٍ طَحَاهَا وَهَكَذَا عَلَى أَنَّ (مَا) مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ أَوْ نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ بَقِيَ أَنَّ لِلَّهِ أَنْ يَحْلِفَ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ فَلَهُ الْحَلِفُ بِفِعْلِهِ وَهُوَ مَخْلُوقٌ، وَلَيْسَ أَنْ نَحْلِفَ بِغَيْرِهِ، فَيُجَابُ بِأَنْ يُحْلَفَ بِأَفْعَالِهِ تَعْظِيمًا لَهُ فَنَحْلِفُ بِهَا كَمَا حَلَفَ بِهَا فَحَلِفُهُ بِهَا إبَاحَةٌ لِحَلِفِنَا بِهَا فَهِيَ تُسْتَثْنَى مِنْ خَلْقِهِ، وَمَنْ سَوَّى بَيْنَ فِعْلِهِ كَبِنَائِهِ السَّمَاءَ وَمَفْعُولِهِ كَالسَّمَاءِ وَالطُّورِ كَمَنْ سَوَّى بَيْنَ اللَّهِ وَخَلْقِهِ، وَإِنَّمَا أَقْسَمَ اللَّهُ بِخَلْقِهِ تَعْظِيمًا لِفِعْلِهِ لَا لِمَخْلُوقِهِ فَلْنَحْلِفْ بِفِعْلِهِ تَعْظِيمًا لَهُ، لِأَنَّ الْقَسَمَ بِهِ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - وَلَا تَعْظِيمٌ لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ لِأَنَّهُ تَعْظِيمٌ لِمَخْلُوقِهِ، وَالْحَلِفُ بِفِعْلِهِ تَعْظِيمٌ لَهُ، فَيُسْتَثْنَى مِنْ مَنْعِ الْحَلِفِ بِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا جَازَ بِصِفَتِهِ لِأَنَّهَا هُوَ عِنْدَنَا وَقَدْ حَلَفَ إبْلِيسُ وَلَمْ يَجِئْ قُرْآنٌ وَلَا حَدِيثٌ بِأَنَّ حَلِفَهُ بِهَا عِصْيَانٌ وَهَكَذَا يَحْتَجُّونَ بِمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ بِهِ وَسَوَاءٌ فِي مُطْلَقِ الْقَسَمِ صَرَّحَ بِالْقَسَمِ أَوْ حَذَفَهُ وَأَبْقَى فِي اللَّفْظِ أَثَرَهُ كَاللَّامِ وَالنُّونِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: لَئِنْ كَانَ لَيَكُونَنَّ كَذَا، أَوْ لَئِنْ كَانَ كَذَا إذَا أَرَادَ اللَّهُ، أَوْ وَرَبِّي لَئِنْ كَانَ إلَخْ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ (فَتَلْزَمُ بِهَا كَفَّارَةٌ إنْ حَنِثَ) وَلَا كَرَاهَةَ فِي الْحَلِفِ بِذَلِكَ، وَكَرِهَهُ أَصْحَابُنَا تَعْظِيمًا لِلَّهِ، وَوَجْهُهَا أَنَّهُ إذَا حَلَفَ بِهِ وَحَنِثَ فَكَأَنَّهُ اسْتِهَانَةٌ