شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الرابع

الجزء ٤ · صفحة ٣١٢

وَإِنْ حَلَفَ عَلَى اللَّحْمِ أَكَلَ الشَّحْمَ الْخَالِصَ مُطْلَقًا كَعَكْسِهِ، وَقِيلَ: لَا يَأْكُلُ مَا عَلَى اللَّحْمِ،

---------------------

عِنْدَ اللَّهِ شَيْءٌ إلَّا أَنْ يَصِحَّ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ فَيُؤْخَذَ مِمَّا يَلْزَمُهُ فِيهِ وَيَسْتَغْفِرَ مِنْ كَذِبِهِ، وَفِي الْبَابِ السَّابِعِ مِنْ الْجُزْءِ الْمُتِمِّ عِشْرِينَ: مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: هَذَا لَيْسَ مَمْلُوكًا فَإِنْ أَرَادَ بِهِ عِتْقًا عَتَقَ، وَإِلَّا قِيلَ: كَذِبٌ، وَقِيلَ: يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ أَقَرَّ أَنَّهُ لَيْسَ مَمْلُوكًا وَيَعْتِقُ فِي الْحُكْمِ.

(وَإِنْ حَلَفَ عَلَى اللَّحْمِ) الِاسْتِعْلَاءُ مَجَازِيٌّ أَوْ عَلَى بِمَعْنَى عَنْ، وَالْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِهَا، وَفِي الْفِعْلِ بِعَلَى، (أَكَلَ الشَّحْمَ الْخَالِصَ مُطْلَقًا) عَلَى الصَّحِيحِ بَيْنَ اللَّحْمِ أَوْ تَحْتَهُ أَوْ فَوْقَهُ أَوْ مُنْفَرِدًا (كَعَكْسِهِ، وَقِيلَ: لَا يَأْكُلُ مَا عَلَى اللَّحْمِ)، وَبِهِ قَالَ فِي الْوَضْعِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ لَحْمٍ، مِثْلَ أَنْ يَخْفَى فِيهِ بَعْضُ لَحْمٍ أَوْ يَكُونَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ اللَّحْمِ مُتَكَيِّفٌ بِكَيْفِيَّةٍ وَلَمْ يَكْمُلْ تَكَيُّفُهُ فَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ اسْمِ اللَّحْمِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ الشَّحْمَ وَلَوْ تَوَلَّدَ مِنْ لَحْمٍ لَكِنَّهُ غَيْرُ اللَّحْمِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِالرُّطَبِ وَالتَّمْرِ مَنْ حَلَفَ عَلَى بُسْرٍ مَعَ أَنَّهُمَا مِنْ بُسْرٍ، وَظَاهِرُ هَذَا التَّعْلِيلِ وَقَدْ زِدْت فِيهِ إيضَاحًا أَنَّ مَعْنَى صَاحِبِ الْقَوْلِ الثَّانِي لَا يَخْلُو مِنْ لَحْمٍ أَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْهُ فَكَأَنَّهُ لَحْمٌ، وَهُوَ غَيْرُ التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا، وَعَلَى التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا لَوْ بَحَثَ اللَّحْمَ جِدًّا وَشَرَحَهُ وَلَمْ يَجِدْ إلَّا لَحْمًا تَامًّا نَاصِحًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْءٌ أَشْبَهَ بِاللَّحْمِ لَكَانَ غَيْرَ حَانِثٍ إنْ أَكَلَهُ، وَعَلَى التَّعْلِيلِ الَّذِي اسْتَظْهَرْته عَنْ الشَّيْخِ يَحْنَثُ بِهِ مُطْلَقًا، وَيُحْتَمَلُ رَدُّ تَعْلِيلِ الشَّيْخِ إلَى التَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ.

وَحَمْلُ الْقَوْلِ الثَّانِي عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ: وَالنَّظَرُ يُوجِبُ عِنْدِي أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ أَنَّهُ يَأْكُلُ الشَّحْمَ الْخَالِصَ؛ لِأَنَّ اللَّحْمَ غَيْرُ شَحْمٍ فِي جَمِيعِ مَا تَبَيَّنَ لَنَا بِحَسْبِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ شَحْمٌ، فَلَا نَلْتَفِتُ فِيهِ إلَى احْتِمَالِ أَنَّ فِيهِ لَحْمًا إذْ لَمْ يَظْهَرْ لَنَا، لَكِنَّ تَشْبِيهَهُ ذَلِكَ بِالْبُسْرِ وَالرُّطَبِ يُنَافِي هَذَا التَّأْوِيلَ إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّ الرُّطَبَ أَيْضًا قَدْ يَبْقَى فِيهِ شَيْءٌ