شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٧

فِي الْعَامِّ وَهُوَ مُطْلَقُ التَّعْنِيفِ ﴿وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ وَطَلَبُ الرَّحْمَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ لَهُمَا مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا كَانَا مُتَوَلَّيَيْنِ وَكَذَا الِاسْتِغْفَارُ، فَمَنْ لَمْ يَتَوَلَّهُمَا دَعَا لَهُمَا بِرَحْمَةِ الدُّنْيَا، وَلَا يُصَرِّحُ لَهُمَا بِالدُّنْيَا إذَا كَانَ يَجْزَعَانِ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى الدُّعَاءِ بِهَا، وَمَنْ أَجَازَ الدُّعَاءَ لِغَيْرِ الْمُتَوَلَّى بِالْهِدَايَةِ أَجَازَ أَنْ يَدْعُوَ لَهُمَا بِهَا.

وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَتَضَمَّنُ الدُّعَاءُ بِهَا الْجَنَّةَ عَلَى تَقْدِيرِ حُصُولِهَا لَا مُطْلَقًا، وَأَنَّ الدُّعَاءَ بِهَا تَقْوِيَةٌ لِلْإِسْلَامِ وَجَرٌّ إلَيْهِ، وَأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ تَقُولُ: اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمَنَا، وَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ﴿اللَّهُمَّ أَيِّدْ الْإِسْلَامَ بِأَحَدِ الْعُمَرَيْنِ﴾ وَلَا يُقَالُ الْمُرَادُ التَّأْيِيدُ الْمُطْلَقُ سَوَاءٌ كَانَ لِصَاحِبِهِ خَلَاقٌ فِي الْآخِرَةِ أَمْ لَا، وَقَدْ قَالَ: ﴿يُؤَيِّدُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِأَقْوَامٍ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ لِأَنَّا نَقُولُ وَعَدَهُ اللَّهُ أَنْ يُؤَيِّدَهُ بِأَحَدِهِمَا مُؤْمِنًا، وَلِسِيَاقِ الْحَدِيثِ، وَلَا يُقَالُ إنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِأَحَدِهِمَا مُبْهَمًا وَلَمْ يُعَيِّنْهُ

فَيَحْتَمِلُ الْمَوْعُودَ بِهِ عِنْدَ اللَّهِ، لِأَنَّا نَقُولُ: قَدْ أَجْمَلَ فِي لَفْظِ أَحَدِ الْعُمَرَيْنِ فَيَشْمَلُهُمَا مَعًا عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِيَّةِ، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ الدُّعَاءَ لِغَيْرِ الْمُتَوَلَّى بِالْهِدَايَةِ جَلْبٌ لِلْجَنَّةِ لَهُ وَتَسَبُّبٌ لَهُ إلَيْهَا، وَذَلِكَ يُنَاقِضُ بُغْضَ الْعَاصِيَ وَالتَّوَقُّفَ فِي الْمَوْقُوفِ فِيهِ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورٍ، وَالْآيَةُ وَلَوْ جَاءَتْ فِيمَنْ بَلَغَا الْكِبَرَ، لَكِنَّ حُكْمَ مَنْ لَمْ يَبْلُغَاهُ حُكْمُهُمَا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا﴾ الْآيَةَ ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ الْآيَةَ ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ الْآيَةَ