شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٨

وَرِضَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَسَخَطُهُ بهما، ...............................................................................

-------------------------

(وَرِضَى الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَسَخَطُهُ ب) رِضَاهُمَا وَسَخَطُهُ (بِهِمَا) وَمَنْ أَغْضَبَهُمَا فَقَدْ أَغْضَبَهُ، وَقَدْ أَمَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَوْلِ جِبْرِيلَ: " مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ " وَفِي رِوَايَةٍ " أَحَدَ وَالِدَيْهِ فَدَخَلَ النَّارَ أَبْعَدَهُ اللَّهُ " وَفِي رِوَايَةٍ: ﴿مَنْ أَدْرَكَ أَحَدَ وَالِدَيْهِ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهِ الْجَنَّةَ وَلَا يَجْزِي وَالِدَيْهِ إلَّا أَنْ يَجِدَهُمَا مَمْلُوكَيْنِ فَيَشْتَرِيَهُمَا ثُمَّ يُعْتِقَهُمَا﴾ كَذَا رُوِيَ، وَلَعَلَّ ثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ لِأَنَّهُمَا يُعْتَقَانِ بِشِرَائِهِ لَهُمَا، أَوْ هِيَ عَلَى أَصْلِهَا مِنْ التَّرْتِيبِ فِي الْحُكْمِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِتْقِ التَّصْرِيحُ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِالشِّرَاءِ فَتَكُونُ لِلتَّرْتِيبِ فِي الْحُكْمِ بِاتِّصَالٍ، لِأَنَّ الْأَحْسَنَ الْعَجَلَةُ بِالتَّصْرِيحِ لَهُمَا بِأَنَّهُ قَدْ اشْتَرَاهُمَا إنْ كَانَا يَعْلَمَانِ أَنَّ شِرَاءَهُمَا يُعَتَّقَانِ بِهِ، أَوْ بِالتَّصْرِيحِ بِأَنَّهُمَا قَدْ عَتَقَا، أَوْ ثُمَّ بِمَعْنَى الْوَاوِ مِنْ عَطْفِ لَازِمٍ عَلَى مَلْزُومٍ، وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ اشْتَرَى أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ فَقَدْ جَازَاهُمَا، وَالْمُرَادُ جَزَاءً عَظِيمًا، وَلَكِنْ عَلَيْهِ لَهُمَا فَضْلٌ، وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا إذَا سَعَى فِي أَنْ يَمْلِكَهُمَا بِهِبَةٍ أَوْ أُجْرَةٍ أَوْ أَرْشٍ أَوْ صَدَاقٍ لِأَمَتِهِ، أَوْ سَعَتْ الْمَرْأَةُ كَذَلِكَ، أَوْ فِي أَنْ يَكُونَا صَدَاقًا لَهَا أَوْ لَأَمَتِهَا، وَالْفَضْلُ حَيْثُ جَعَلَهُ اللَّهُ.

وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي آثَارٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ لَا يَفِي بِحَقِّهِمَا وَلَوْ فَعَلَ لَهُمَا مَا فَعَلَا بِهِ، مِثْلُ أَنْ يَحْمِلَهُمَا عَلَى ظَهْرِهِ، وَيُطْعِمَهُمَا وَيَمْسَحَ لَهُمَا الْمُخَاطَ وَاللَّعِبَ وَالْبَوْلَ وَالْغَائِطَ، وَمِثْلُ أَنْ تَفْعَلَ بِهِمَا بِنْتُهُمَا ذَلِكَ وَتُرْضِعَهُمَا، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ وَيُحِبَّانِ بَقَاءَهُ، وَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَيُحِبُّ مَوْتَهُمَا، أَوْ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ مَوْتُهُمَا، وَأَيْضًا فَإِنَّ إعْتَاقَهُمَا مِنْ الْعُبُودِيَّةِ كَإِعْتَاقِهِمَا مِنْ الْقَتْلِ، وَلَا يَنْتَفِعَانِ لِأَنْفُسِهِمَا وَهُمَا نَفْعٌ لِغَيْرِهِمَا مَا لَمْ يُعْتَقَا، فَإِذَا أَعْتَقَهُمَا فَقَدْ كَانَا لِأَنْفُسِهِمَا، وَالظَّاهِرُ إنْ فَعَلَ بِهِمَا مَا فَعَلَا بِهِ بِحُبٍّ وَرِضًى وَكَرَاهَةِ مَوْتِهِمَا جِدًّا كَمَا كَرِهَا مَوْتَهُ لَكَانَ مُجَازِيًا لَهُمَا.