الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٩...................................................................................................................
----------------------
وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا رُوِيَ ﴿أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إنَّ أَبَوَايَ بَلَغَا مِنْ الْكِبَرِ أَنِّي أَلِيَ مِنْهُمَا مَا وَلِيَا مِنِّي فِي الصِّغَرِ فَهَلْ قَضَيْتُهُمَا؟ قَالَ: لَا فَإِنَّهُمَا كَانَا يَفْعَلَانِ ذَلِكَ وَهُمَا يُحِبَّانِ بَقَاءَكَ، وَأَنْتَ تَفْعَلُ ذَلِكَ وَأَنْتَ تُرِيدُ مَوْتَهُمَا﴾ فَعَلَّقَ عَدَمَ قَضَائِهِ حَقَّهُمَا بِإِرَادَتِهِ مَوْتَهُمَا، فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُرِدْهُ بَلْ كَرِهَهُ لَكَانَ قَاضِيًا، وَمِثْلُ قِصَّةِ الْمَرْأَةِ مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْآتِيَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَافْهَمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ قَاضِيًا وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اقْتَصَرَ فِي نَفْيِ الْقَضَاءِ عَلَى التَّعْلِيلِ بِحُبِّهِ مَوْتَهُمَا تَنْبِيهًا عَلَى عِظَمِ غَفْلَتِهِ وَجَهَالَتِهِ حَيْثُ ادَّعَى الْوَفَاءَ لَهُمَا مَعَ أَنَّهُ يُحِبُّ مَوْتَهُمَا الْمُسْتَأْصِلَ لَهُمَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَاقْتَصَرَ عَلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ لِعِظَمِهَا وَعِظَمِ ادِّعَاءِ أُمِّكَ أَنَّ الْوَفَاءَ لَهُمَا مَعَ وُجُودِهَا، فَلَوْ قَالَ لَهُ: إنِّي لَا أُحِبُّ مَوْتَهُمَا وَإِنِّي كَرِهْتُهُ جِدًّا كَمَا كَرِهَاهُ سَوَاءٌ، لَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ أَيْضًا إنَّك لَمْ تَفِ لَهُمَا لِأَنَّهُمَا السَّبَبُ الظَّاهِرُ فِي وُجُودِكَ، وَلِأَنَّ الْأُمَّ حَمَلَتْكَ فِي بَطْنِهَا وَهَاتَانِ الْخَصْلَتَانِ لَا تُمْكِنَانِ مِنْكَ لَهُمَا مَعَ أَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ حُبُّ الْوَلَدِ لِوَالِدَيْهِ كَحُبِّهِمَا لَهُ سَوَاءٌ أَوْ أَكْثَرُ، وَإِذَا وُجِدَ فَقَلِيلٌ، وَالْغَالِبُ الْعَكْسُ، وَيَنُصُّ عَلَى مَا قُلْتُ حَدِيثُ: ﴿لَوْ فَعَلَ مَا فَعَلَ مَا أَدَّى طَلْقَةً وَاحِدَةً﴾ أَيْ مِنْ طَلَقَاتِ الْوِلَادَةِ، وَهَذَا يَعُمُّ أَنَّهُ لَوْ أَعْتَقَهُمَا لَمْ يُؤَدِّ حَقَّهُمَا كَامِلًا، وَأَمَّا حَدِيثُ: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدَيْهِ إلَّا أَنْ يَجِدَهُمَا مَمْلُوكَيْنِ﴾ فَمَعْنَاهُ لَا يَجْزِيهِمَا جَزَاءً عَظِيمًا إلَّا بِالْإِعْتَاقِ وَلَيْسَ جَزَاءً وَافِيًا بِحَقِّهِمَا لِلِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُوبِ حُقُوقِهِمَا بِلَا نَقْصِ شَيْءٍ مِنْهَا بَعْدَ الْإِعْتَاقِ.
وَلَا يَجِدُ عَاقُّهُمَا رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَهِيَ تُوجَدُ فِي مَسِيرَةِ خَمْسِ مِائَةِ عَامٍ، {قَالَ