شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٧

ثم ادعى الباباوات في المسيحية ما ليس لهم بحق، وسلبوا سلطان الله في ملكه، وزعموا لأنفسهم العقاب والثواب والغفران من دون الله، وكما قال (مارتن لوثر) صاحب مذهب البروتستانت: إن الباباوات ورجال الدين المسيحي يتغفلون الناس ويسلبون أموالهم عن طريق بيع صكوك الغفران كما ادعى الباباوات في روما أنهم خلفاء الله في أرضه، وأن لهم حق تعديل التعاليم الدينية فأحلوا ما حرم الله وحرموا بعض ما أحله، وضربوا الجزية على الناس وعلى البهائم، وخصوا أنفسهم بشلح من يعارض سلطانهم وطرده من ملكوت رحمة الله في الأرض والسماء، واعتدوا على سلطان الملوك والأمراء والحكام، وانتشرت في القرون الوسطى في أوروبا عادة تتويج الملوك والأمراء ثم استغل الملوك والأمراء هذه الشرعية في الحكم التي يضفيها عليهم البابا فادعوا أن لهم على الشعوب حقاً إلهياً مقدساً، فلهم أن يفعلوا بالشعوب ما شاءوا دون اعتراض من الناس، فلا حق لأحد، ولا حرية لأحد، ولا مال لأحد إلا بقدر ما يسمح ويشرع الملك لأهل مملكته ما دام قد تلقى حقه الإلهي عن طريق الممثل المباشر الله في الأرض وهو البابا، وكان الملوك يدفعون الكثير من الأموال للباباوات لقاء تسليطهم على شعوبهم، وكانت كل مملكة في أوروبا تتكون من عدة إمارات، وكان كل أمير على إقطاعية يدفع الكثير إلى الملك مقابل أن يملك الإقطاعية بدوره أرضها وساكنيها من أناس وحيوانات ويستبد بالجميع كيف شاء، حتى أن أمير الإقطاع كان إذا باع أرضه التي يملكها أو بعضها يتبعها ويدخل في البيع ما عليها من زرع وشجر وحيوان وإنسان.

فلما أن ساءت الحال في أوروبا في القرون الوسطى، وبلغ الظلم والاستبداد بالمخلوقات مبلغاً لم يبلغه في أظلم عصور التاريخ القديم – ثار الناس على هذه

٢٧ / ١١٬٧٠٢