الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٦كَفِتْنَةٍ وَقَحْطٍ ..................................................................................................
-------------------------------
وَقَالَ أَيْضًا: لَا يَصِحُّ كَيْسُ مَنْ لَهُ أَبَوَانِ، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ دَعْوَةَ الْوَالِدَيْنِ لِلْوَلَدِ بِالْبَرَكَةِ تُوَسِّعُ الرِّزْقَ، وَشَتْمَهُمَا أَيْضًا كَذَلِكَ، كَالْأَخْذِ بِالْيَدِ تُعَجِّلُ الْعُقُوبَةَ، وَفِي " الدِّيوَانِ " أَيْضًا قِيلَ: لَوْ حَمَلَهُمَا عَلَى ظَهْرِهِ أَوْ أَطْعَمَهُمَا أَوْ سَقَاهُمَا أَوْ أَضْجَعَهُمَا عَلَى ظَهْرِهِ لَمْ يُتِمَّ حُقُوقَهُمَا، وَذُكِرَ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ أَوْصَى رَجُلًا بِبِرِّ أُمِّهِ، فَقَالَ: لَوْ حَمَلْتَهَا عَلَى ظَهْرِكَ إلَى مَكَّةَ فَحَجَجْتَ بِهَا ثُمَّ رَجَعْتَ إلَى مَنْزِلِك مَا أَدَّيْتَ حَقَّهَا، (كَ) مَا يَجِبُ بَعْدَ ذَهَابِ (فِتْنَةٍ) فِتْنَةِ الْأَلْسُنِ أَوْ الْقِتَالِ (وَقَحْطٍ) وَذَلِكَ لِشِدَّةِ أَمْرِ ذَلِكَ حَتَّى لَا يَبْرَأَ مِنْ الذَّنْب مِنْ الْتَبَسَ بِهِ وَلَوْ اجْتَهَدَ غَايَةَ اجْتِهَادِهِ.
وَمَعْنَى قَوْلِنَا: مَنْ بَاتَ فِي بَلَدِ الْفِتْنَةِ هَلَكَ مَنْ صَارَ فِيهِ كَانَ فِي مَظِنَّةِ الْهَلَاكِ فَلَا يَهْلِكُ إنْ لَمْ يَرْكَنْ فِيهَا، وَهَذَا كَقَوْلِكَ: مَنْ أَكَلَ السُّمَّ مَاتَ، فَقَدْ يُؤْكَلُ وَلَا يَهْلِكُ، وَمَنْ قَارَبَ السِّدْرَةَ خَدَشَتْهُ فَقَدْ لَا يُخْدَشُ، وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّعْيَ حَوْلَ الْحِمَى مَظِنَّةُ الْوُقُوعِ فِيهِ، أَوْ مَعْنَاهُ مَنْ صَارَ فِيهِ قَارَفَ سَبَبَ الْهَلَاكِ، وَسَبَبُهُ الدُّخُولُ فِي الْفِتْنَةِ فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا فَلَا هَلَاكَ، وَجَازَ لَهُ أَنْ يَصِيرَ فِيهِ، وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتُ قَوْلُ أَحَدِ الشَّيْخَيْنِ الْخَارِجَيْنِ مِنْهُ لِلْآخَرِ الْقَائِلِ: إنِّي أُرِيدُ هَلَاكَ الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا أَنْتَ يَجُوزُ لَكَ الرُّجُوعُ، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ امْرَأَةً بَرَّتْ أَبَاهَا فِي كِبَرِهِ حَتَّى كَانَتْ تَحْمِلُهُ عَلَى ظَهْرِهَا فَمَرَّتْ بِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهَا: مَنْ هَذَا؟ قَالَتْ: أَبِي، قَالَ لَهَا: لَوْ مَهَّدْتِ لَهُ لَكَانَ أَوْطَأَ عَلَيْهِ، قَالَتْ لَهُ: فَالصَّبِيُّ إذَا جَاعَ انْطَفَى، أَيْ اشْتَدَّ صِيَاحُهُ تَعْنِي، وَهَذَا لَا يَصِيحُ، وَإِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَضَعَهُ فِي الْمَنْزِلِ فَيُجَوِّعُ، وَلَا أَعْلَمُ بِهِ، وَإِنِّي لَأَصْغَرُ أَوْلَادِهِ وَإِنَّ لَهُ مِائَةَ سَنَةٍ، وَإِنِّي لَبِكْرٌ وَقَدْ أَدَرَّ اللَّهُ تَعَالَى ثَدْيَيْ لَبَنًا فَإِذَا جَاعَ أَرْضَعْتُهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَقَالَ عُمَرُ لِأَصْحَابِهِ: أَتَدْرُونَ مَا بَلَغَتْ هَذِهِ فِي بِرِّ أَبِيهَا؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَتْ: يَا عُمَرُ مَا بَلَغْتُ بِرَّهُ؟ قَالَ: وَكَيْفَ؟ قَالَتْ: إنِّي كُنْتُ فِي مِثْلِ حَالِهِ صَغِيرَةً يَتَمَنَّى بَقَائِي وَأَتَمَنَّى مَوْتَهُ، فَقَالَ: أَنْتِ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ.