شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٧

وَعَقَّهُمَا مَنْ أَحْزَنَهُمَا وَفُتِحَ لِمُصْبِحٍ مُرْضِيًا لَهُمَا بَابٌ لِلْجَنَّةِ كَعَكْسِهِ وَدَعْوَتُهُمَا أَحَدُّ مِنْ السَّيْفِ. ..................

--------------------

(وَعَقَّهُمَا مَنْ أَحْزَنَهُمَا) أَيْ أَسَاءَ إلَيْهِمَا وَعَصَاهُمَا وَلَمْ يَبُرَّهُمَا، وَهَذَا أَمْرٌ شَاذٌّ لِأَنَّهُمَا قَدْ يَحْزَنَانِ وَهُمَا ظَالِمَانِ بِإِلْزَامِهِمَا الْوَلَدَ مَا يُعْسِرُ عَلَيْهِ جِدًّا أَوْ مَا لَا نَفَعَ لَهُمَا وَلَا لَهُ فِيهِ.

(وَفُتِحَ لِمُصْبِحٍ مُرْضِيًا لَهُمَا بَابٌ لِلْجَنَّةِ) إلَى الْجَنَّة (كَعَكْسِهِ) وَهُوَ فَتْحُ بَابٍ لِلنَّارِ لِمُصْبِحٍ مُسْخِطًا لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا، وَفِي رِوَايَةٍ: ﴿مَنْ أَصْبَحَ مُرْضِيًا لِأَبَوَيْهِ أَصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إلَى الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَمْسَى مِثْلَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَاحِدٌ فَوَاحِدٌ، وَمَنْ أَصْبَحَ أَوْ أَمْسَى مُسْخِطًا لَهُمَا أَصْبَحَ لَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إلَى النَّارِ أَوْ أَمْسَى، وَإِنْ كَانَ وَاحِدٌ فَوَاحِدٌ، وَإِنْ ظَلَمَا وَإِنْ ظَلَمَا وَإِنْ ظَلَمَا﴾ وَمَعْنَى فُتِحَ بَابٌ إلَى الْجَنَّةِ أَوْ إلَى النَّارِ تَيْسِيرُ عَمَلٍ يُوصِلُ إلَى الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ كَمَا يُوصِلُ الْبَابُ إلَى دَاخِلُ، وَذَلِكَ الْعَمَلُ هُوَ الْإِرْضَاءُ أَوْ الْإِسْخَاطُ فَذَلِكَ تَمْثِيلٌ اسْتِعَارِيٌّ، أَوْ شَبَّهَ الْعَمَلَ بِالْبَابِ فَاسْتَعَارَ لَهُ لَفْظَ بَابٍ بِجَامِعِ الْإِيصَالِ، وَيَجُوزُ حَمْلُ الْفَتْحِ عَلَى الْحَقِيقَةِ يَفْتَحُ الْمَلَكُ الْبَابَ كَمَا يُؤْمَرُ بِكِتَابَةِ السَّيِّئَاتِ أَوْ الْحَسَنَاتِ وَقَدْ عِلْمَ اللَّهُ أَنَّهُ سَتُمْحَى فَيَفْتَحُهُ، فَإِذَا تَحَوَّلَ عَنْ صِفَتِهِ الَّتِي فُتِحَ بِهَا أُغْلِقَ فِي حَقِّهِ بِمَا يَمْنَعُهُ مِنْ الدُّخُولِ دُونَ غَيْرِهِ أَوْ تُرِكَ مَفْتُوحًا وَلَا يُطِيقُ دُخُولَهُ لَوْ جَاءَ، وَإِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ آلَافٌ مُرْضُونَ لِآبَائِهِمْ وَأُمَّهَاتِهِمْ وَآلَافٌ مُسْخِطُونَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَلَيْسَ لِلْجَنَّةِ إلَّا ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ.

وَفِي " التَّاجِ ": أَنَّ امْرَأَةً أَحْرَقَتْ صَبِيًّا لَهَا فَلَمَّا بَلَغَ سَأَلَ أَنْ يُقْطَعَ لَهَا بِرُّهَا فَمَنَعَ وَلَزِمَهَا الْأَرْشُ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْجِهَادِ أَيْ غَيْرِ الْفَرْضِ. (وَدَعْوَتُهُمَا أَحَدُّ مِنْ السَّيْفِ) أَيْ تَقْطَعُ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ أَكْثَرُ مِمَّا يَقْطَعُ السَّيْفُ الشَّيْءَ، وَكَذَا تَقْطَعُ عَنْهُ شَرَّهُمَا إذَا بَرَّهُمَا.