الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢٥قِيلَ يَتَوَقَّفُ وَإِنْ تَوَلَّاهُمَا أَظْهَرَ لَهُمَا مُقْتَضَاهَا وَيُخْفِيهِ بِعَكْسِهَا، .....................................................
-------------------------------------
إيمَانَهُمْ كَلَا إيمَانٍ حَيْثُ اتَّخَذُوا الْمُشْرِكِينَ أَوْلِيَاءَ فَجَعَلَهُمْ كَالْمُشْرِكِينَ، فَلَا يُتَوَلَّوْنَ كَمَا لَا يَتَوَلَّى الْمُشْرِكُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُشْرِكُ الْمُتَّخِذْهُ وَلِيًّا وَالِدَهُ أَوْ غَيْرَهُ، وَأَيْضًا وَقَدْ صَيَّرَ الِاتِّخَاذَ لِلْمُشْرِكِ وَلِيًّا كَالشِّرْكِ وَهُوَ نِفَاقٌ، فَالنِّفَاقُ كَالشِّرْكِ، فَالْوَالِدُ كَالْمُشْرِكِ فِي عَدَمِ الْوِلَايَةِ وَثُبُوتِ الْبَرَاءَةِ، وَاسْتَدَلَّ مَنْ أَبَاحَ وِلَايَةَ الْوَالِدَيْنِ إذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمَا مُوجِبُ بَرَاءَةٍ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾، حَيْثُ تُعَلَّقُ الْبَرَاءَةُ بِتَبَيُّنِ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَإِذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ حَالُ وَالِدَيْهِ تَوَلَّاهُمَا كَمَا اسْتَغْفَرَ إبْرَاهِيمُ لِوَالِدَيْهِ وَأَنْجَزَ لَهُ الْوَعْدَ بِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إنْجَازِهِ وَلَمْ يَتْرُكْهُ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَكَذَا هَذَا الَّذِي لَمْ يَعْلَمْ حَالَ أَبَوَيْهِ يَتَوَلَّاهُمَا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ.
وَلَوْ اخْتَلَفَ التَّبَيُّنُ لَهُ وَالتَّبَيُّنُ لِإِبْرَاهِيمَ فَإِنَّ التَّبَيُّنَ لَهُ هُوَ تَبَيَّنُ كَبِيرَةٍ لَهُ مِنْهُمَا، وَذَلِكَ أَخْذٌ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ مِنْ تَعْلِيقِ الْإِمْسَاكِ عَنْ الْوِلَايَةِ بِالتَّبَيُّنِ، وَخَصَّ ذَلِكَ بِالْوَالِدَيْنِ، لِأَنَّ آيَةَ إبْرَاهِيمَ فِي أَبِيهِ، فَلَا يُرَدُّ عَلَى صَاحِبِ هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يُجْرِيَ ذَلِكَ فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يُعْلَمْ حَالُهُ، وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرْتُ مِنْ الْوُقُوفِ، (إنْ تَوَلَّاهُمَا أَظْهَرَ لَهُمَا مُقْتَضَاهَا): أَيْ مُقْتَضَى الْوِلَايَةِ، أَيْ مَا تَسْتَلْزِمُهُ الْوِلَايَةُ مِنْ التَّرَحُّمِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ، فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: وَإِنْ تَوَلَّاهُمَا وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَهُ وُجُوبُ وِلَايَتِهِمَا فَاعْتَقَدَهَا فِي قَلْبِهِ وَتَوَلَّاهُمَا وِلَايَةً قَلْبِيَّةً وَإِلَّا فَالتَّرَحُّمُ هُوَ نَفْسُ الْوِلَايَةِ اللِّسَانِيَّةِ، فَالْمُرَادُ كَمَا تَعْلَمُ مِنْ كَلَامِي الْوِلَايَةُ الْقَلْبِيَّةُ وَيَظْهَرُ مُقْتَضَاهَا فِي لِسَانِهِ، (وَيُخْفِيهِ) الْهَاءُ لِلْمُقْتَضَى لَا عَلَى أَنَّهُ مُقْتَضَى الْوِلَايَةِ، وَلَوْ كَانَ هُوَ الْمُتَقَدِّمُ فِي الذِّكْرِ، وَلَكِنْ عَلَى أَنَّهُ مُقْتَضَى الْبَرَاءَةِ فَذَلِكَ اسْتِخْدَامٌ (بِعَكْسِهَا) أَيْ فِي عَكْسِ الْوِلَايَةِ الَّذِي هُوَ الْبَرَاءَةُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنْ وَقَفَ فِيهِمَا وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمَا يَكْرَهَانِ الْوُقُوفَ فَلْيُخْفِ عَنْهُمَا مَا يَعْلَمَانِ بِهِ أَنَّهُ وَاقِفٌ فِيهِمَا، فَالظَّاهِرُ أَنَّ لَهُ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمَا أَلْفَاظَ الْوِلَايَةِ تَقِيَّةً وَيُرِيدُ غَيْرَ الْأَلْفَاظِ أَوْ يُرِيدُ غَيْرَهُمَا.