الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ١٠٨وَحَقُّ الْمَسَاكِينِ وَاجِبٌ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ وَالْمُصَانَعَةِ لَهُمْ وَفِي ذَلِكَ أَجْرٌ عَظِيمٌ.
-------------------------
وَعَنْ أَنْ يَكُونَ تَقْصِيرُهُ خِيَانَةً يَلْزَمُ بِهَا الضَّمَانُ كَمَا لَزِمَ الْخَائِنَ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى تَنْجِيَةِ مَالٍ وَلَمْ يُنْجِهِ لَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهُ كَذَا قِيلَ، وَقَدْ يُبْحَثُ فِيهِ بِأَنَّ الضَّمَانَ إنَّمَا يَكُونُ مِنْ فِعْلِ أَحَدٍ أَوْ مِنْ لُزُومِ حِفْظِ الْمَضْمُونِ لَهُ، وَهَذَا الَّذِي ضَاعَ النَّفْسُ أَوْ الْمَالُ وَلَمْ يُنْجِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ لَيْسَ فَاعِلًا لِلْقَتْلِ وَلَا لِإِفْسَادِ الْمَالِ، وَلَا آمِرًا بِهِمَا وَلَا فَاعِلًا فِعْلًا تَرَتَّبَا عَلَيْهِ كَسَلْبِ أَحَدٍ مِنْ ثِيَابِهِ أَوْ سَلْبِ طَعَامِهِ حَتَّى مَاتَ فَلَيْسَ فِي ضَمَانِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَضْمَنَهُ، وَكَوْنُ الْمَضْمُونِ لَا دَافِعَ عَنْهُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَوْنُهُ كَأَمَانَةٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى قَادِرٍ عَلَى تَنْجِيَةِ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ وَلَمْ يُنْجِهِ، وَكَذَا إنْ مَاتَ جُوعًا فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى مُشَاهِدِهِ قَبْلَ ذَلِكَ نَفَقَتُهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ يَضْمَنُهُ إذَا لَمْ يُنْفِقْهُ إذَا مَاتَ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، غَيْرَ أَنَّهُ عَاصٍ بِعَدَمِ تَنْجِيَتِهِ، وَأَنَّهُ بَخِيلٌ، هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(وَحَقُّ الْمَسَاكِينِ وَاجِبٌ، وَقَدْ أُمِرْنَا بِالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ وَالْمُصَانَعَةِ لَهُمْ) أَيْ الْمُلَايَنَةِ أَوْ إهْدَاءِ الطَّعَامِ أَوْ الشَّرَابِ إلَيْهِمْ، وَذَلِكَ عَطْفُ خَاصٍّ عَلَى عَامٍّ، وَلَك أَنْ تَقُولَ: الْمُرَادُ بِهِمَا وَاحِدٌ فَالْعَطْفُ عَطْفُ تَرَادُفٍ (وَفِي ذَلِكَ أَجْرٌ عَظِيمٌ) وَلِلذِّمِّيِّ الْمِسْكَيْنِ حَقٌّ دُونَ حَقِّ الْمِسْكَيْنِ الْمُوَحِّدِ، وَحَقُّ الْمِسْكَيْنِ الْمُتَوَلَّى أَعْظَمُ مِنْ حَقِّ الْمِسْكَيْنِ الْمَوْقُوفِ فِيهِ، وَحَقُّ الْمَوْقُوفِ فِيهِ أَعْظَمُ مِنْ حَقِّ الْمُتَبَرَّأِ مِنْهُ، وَحَقُّهُ أَعْظَمُ مِنْ حَقِّ الْمِسْكَيْنِ الذِّمِّيِّ، وَلَا حَقَّ لِمِسْكِينٍ مَانِعِ حَقٍّ، أَوْ طَاعِنٍ فِي الدِّينِ، أَوْ قَاعِدٍ عَلَى فِرَاشٍ حَرَامٍ، أَوْ قَاتِلِ نَفْسَهُ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ إلَّا إنْ تَابَ، وَفِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْمِسْكَيْنِ وَغَيْرِهِ يُضَاعَفُ الْأَجْرُ إلَى سَبْعِ مِائَةٍ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ إلَخْ وَمَعْنَى: وَاَللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ، أَنَّهُ تَعَالَى يُضَاعِفُ الْمُضَاعَفَةَ