شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٩٥

وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَفَوْقَهَا صَدَقَةٌ؛.

--------------------------

تَخْصِيصُ إكْرَامِ الْجَارِ وَالضَّيْفِ لِغَيْرِ الْفَاسِقِ وَالْمُبْتَدِعِ وَالْمُؤْذِي وَنَحْوِهِمْ فَلَا يُكْرَمُونَ بَلْ يُهَانُونَ رَدْعًا لَهُمْ، وَيُحْتَمَلُ جَعْلُهُمْ مِنْ ذَوَاتِ الْجِهَتَيْنِ فَيُكْرَمُونَ مِنْ حَقِّ الْجِوَارِ وَالضِّيَافَةِ وَيُهَانُونَ مِنْ حَقِّ الْفُجُورِ لِأَنَّ الْكَافِرَ يُرَاعَى حَقُّ جِوَارِهِ، فَالْمُوَحِّدِيُّ فِسْقُهُ أَوْلَى، وَجَاءَ ﴿فِي كُلِّ كَبِدٍ أَجْرٌ﴾ " قَالَ بَعْضٌ: حَتَّى نَحْوُ الْحَيَّةِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ يُطْعَمُ وَيُسْقَى إذَا اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ ثُمَّ يُقْتَلُ، قُلْتُ: لَا يُطْعَمُ وَلَا يُسْقَى مِثْلُ الْحَيَّةِ وَالْعَقُورِ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِقَتْلِهِمَا عَلَى الْفَوْرِ، وَإِذَا أُطْعِمَ أَوْ سُقِيَ فَقَدْ أُعِينَ عَلَى الضُّرِّ، وَقَدْ يَفُوتُ إذَا قَوِيَ بِالطَّعَامِ أَوْ الشَّرَابِ فَمِثْلُ ذَلِكَ مُسْتَثْنًى مِنْ حَدِيثِ: ﴿فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ أَجْرٌ﴾.

(وَالضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَفَوْقَهَا صَدَقَةٌ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ فَقَالَ: يُكْرِمُهُ وَيُتْحِفُهُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ضِيَافَةٌ فَتِلْكَ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، هَذَا ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ، وَقِيلَ: يَتَكَلَّفُ لَهُ فِي الْأَوَّلِ بِالْبِرِّ وَالْأَلْطَافِ، وَفِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ يُقَدِّمُ لَهُ مَا حَضَرَهُ ثُمَّ يُعْطِيهِ مَا يَجُوزُ بِهِ مَسَافَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَتُسَمَّى الْجِيزَةَ وَهِيَ قَدْرُ مَا يَجُوزُ بِهِ الْمُسَافِرُ مِنْ مَنْهَلٍ إلَى مَنْهَلٍ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ: ﴿أَجِيزُوا الْوُفُودَ بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ﴾ "، وَقِيلَ: إنَّ الْمُرَادَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَقَطْ، يُسَمَّى أَوَّلُهَا الْجَائِزَةَ لِأَنَّهُ يُتْحَفُ فِيهَا، وَيُقَدِّمُ لَهُ فِي الْيَوْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ مَا حَضَرَ، فَأَوَّلُ الْحَدِيثِ بَيَانٌ لِحَالِ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ وَآخِرُهُ بَيَانٌ لِحَالِ الضِّيَافَةِ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ، وَفِي رِوَايَةٍ: ﴿الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَجَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ﴾ " وَهَذَا كَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الِاحْتِمَالِ لِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ، وَقِيلَ: هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ رَابِعُهَا هُوَ الْمُسَمَّى بِجَائِزَةٍ وَيُجِيزُهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ