شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ١٩٦

وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُقِيمَ حَتَّى يَقْلَقَ مُضِيفُهُ.

---------------------------

الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ بَيَانًا لِحَالَةٍ أُخْرَى، وَذَلِكَ أَنَّ الضَّيْفَ إنْ أَقَامَ فَحَقُّهُ ثَلَاثَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ أُعْطِيَ مَا يَجُوزُ بِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَفِي قَوْلِهِ: وَفَوْقَهَا صَدَقَةٌ، إشْعَارٌ بِأَنَّ الثَّلَاثَةَ وَاجِبَةٌ بَعْدَ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ الْمُسَمَّى بِالْجَائِزَةِ كَوُجُوبِ الْجَائِزَةِ، وَإِشَارَةٌ إلَى أَنَّ مَا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ سِوَى الْجَائِزَةَ نَفْلٌ وَتَنْفِيرٌ لِأَنَّ الْكَثِيرَ مِنْ النَّاسِ يَأْنَفُونَ عَنْ أَكْلِ الصَّدَقَةِ خُصُوصًا الْأَغْنِيَاءَ.

وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: الْجَائِزَةُ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَالضِّيَافَةُ وَاجِبَةٌ، وَهِيَ ثَلَاثَةٌ لِأَنَّ الْجَائِزَةَ تَفَضُّلٌ وَإِحْسَانٌ أَيْ كَمَا ذَكَرَ فِي قَوْلِهِ: {أَجِيزُوا الْوُفُودَ

بِنَحْوِ مَا كُنْتُ أُجِيزُهُمْ بِهِ} " أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجَائِزَةُ بِمَعْنَى مَا يُعْطَاهُ الْوَافِدُ وَالشَّاعِرُ فَلَمْ يَصِحَّ مَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْجَائِزَةَ لِلْوَافِدِ وَالشَّاعِرِ إنَّمَا أَحْدَثَهَا بَعْضُ أُمَرَاءِ التَّابِعِينَ، لَكِنَّ الْوَاضِحَ أَنَّ الْمُرَادَ فِي الْحَدِيثِ حَدِيثِ الضَّيْفِ مَا يُغْنِي الضَّيْفَ عَنْ غَيْرِهِ أَوْ التُّحْفَةُ.

وَتَلْزَمُ الضِّيَافَةُ السُّلْطَانَ وَعُمَّالَهُ، وَأَصْلُ الْجَائِزَةِ مِنْ الْجَوَازِ، وَذَلِكَ أَنَّ عَسْكَرًا عَارَضَهُ الْوَادِي فَجَازَهُ بَعْضُ الْعَسْكَرِ فَأَعْطَاهُ عُثْمَانُ عَلَى الْجَوَازِ كَثِيرًا فَسُطِّرَ مِنْ يَوْمئِذٍ مَا يُعْطِي الْمَلِكُ جَائِزَةً مُطْلَقًا، وَسُمِّيَ الْإِكْرَامُ لِلضَّيْفِ الْيَوْمَ الْأَوَّلَ لِلِاحْتِفَالِ بِهِ جَائِزَةً تَشْبِيهًا بِعَطِيَّةِ الْمَلِكِ.

(وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُقِيمَ حَتَّى يَقْلَقَ مُضِيفُهُ) أَيْ يُضَيِّقَ عَلَيْهِ، فَإِذَا عَلِمَ بِضِيقِهِ أَوْ أَحَسَّ بِهِ لَزِمَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُ وَلَوْ قَبْلَ تَمَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي جُمْلَةِ الْمَنْزِلِ أَوْ عِنْدَهُ فَيَتَعَرَّضُ لِلضِّيَافَةِ عِنْدَ غَيْرِهِ إنْ احْتَاجَ بِلَا تَصْرِيحٍ، مِثْلَ أَنْ يَأْتِيَ السُّوقَ أَوْ الْمَسْجِدَ، وَإِنْ اُضْطُرَّ فَلَهُ التَّصْرِيحُ، وَإِذَا ظَنَّ النَّاسُ بِأَنَّ الَّذِي عِنْدَهُ الضَّيْفُ يَقُومُ بِهِ حَتَّى تَتِمَّ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَنْوِ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْصِدْهُ أَوْ ضَاقَ عَنْ ذَلِكَ إنْ