شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٢٦٤

وَلَا يُجْعَلُ لِمُصَلًّى مَا جُعِلَ لِمَسْجِدٍ وَعَكْسُهُ، وَرُخِّصَ فِيهِ.

-------------------

لِلْمَسْجِدِ أَوْ مَصَالِحِهِ لِأَنَّ آكِلِيهِ أَحَقُّ بِهِ وَبِهِمْ يَعْمُرُ، ثُمَّ اطَّلَعْت عَلَى رُخْصَةٍ فِيهِ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ لَفْظِ مَنْفَعَةِ أَهْلِهِ وَمَصْلَحَتِهِمْ مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ بِلَا تَمَلُّكٍ فَلَا يُرَخَّصُ أَيْضًا فِيمَا جُعِلَ لِلِبَاسِ أَهْلِهِ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ وَ لَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ﴾، فَتَعَاطَفَتْ فِي الْآيَاتِ الْمَنْفَعَةُ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ، وَالْأَصْلُ فِي الْعَطْفِ التَّغَايُرُ، وَالْآيَاتُ وَلَوْ احْتَمَلَتْ تَعَاطُفَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ لِدَلِيلٍ لَكِنْ كَلَامُ مَسْأَلَتِنَا قَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ

الْمَصْلَحَةَ وَالْمَنْفَعَةَ فِيهِ غَيْرُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِقُوَّةِ حَقِّ الْإِنْسَانِ عَلَى الْمَسْجِدِ.

(وَلَا يُجْعَلُ لِمُصَلًّى مَا جُعِلَ لِمَسْجِدٍ وَعَكْسُهُ، وَرُخِّصَ فِيهِ) أَيْ فِي الْعَكْسِ، ظَاهِرُ الشَّيْخِ أَنَّ الرُّخْصَةَ فِي الْكُلِّ حَيْثُ قَالَ عَنْ الْأَثَرِ: وَمَا جُعِلَ لِلْمَسْجِدِ فَلَا يَجْعَلُوهُ لِلْمُصَلَّى، وَمَا جُعِلَ لِلْمُصَلَّى فَلَا يَجْعَلُوهُ لِلْمَسْجِدِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَخِّصُ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَخِّصُ، مِثْلُ اسْتِثْنَاءٍ بَعْدَ جُمَلٍ، وَالِاسْتِثْنَاءُ بَعْدَهَا عَائِدٌ إلَى الْكُلِّ عَلَى الْمُخْتَارِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ فِي الْكُلِّ أَيْضًا حَذْفُ الْمَعْمُولِ الْمُؤْذِنِ بِالْعُمُومِ، وَلَوْلَا إرَادَتُهُ الْمَعْمُولَ لَقَالَ كَالْمُصَنَّفِ: وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَخِّصُ فِيهِ، بِرَدِّ الضَّمِيرِ لِأَقْرَبِ مَذْكُورٍ إذْ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ فِي الْكُلِّ أَيْضًا قَوْلُهُ: هَلْ هُمَا يَعْنِي الْمَسْجِدَ وَالْمُصَلَّى مَعْنًى وَاحِدٌ أَوْ مَعْنَيَانِ مُخْتَلِفَانِ؟ فَإِنَّ كَوْنَهُمَا مَعْنًى وَاحِدًا مُقْتَضَاهُ أَنَّ مَا جُعِلَ لِلْمَسْجِدِ يَجُوزُ