شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٢٩٥

...............................................................................................................

---------------------

يَقْصِدُ إطَالَتَهَا فَيَنْقُصُ الْأَجْرُ وَالتَّوْجِيهُ الْأَوَّلُ أَفْضَلُ، فَالْأَمْرُ بِتَقَارُبِ الْخُطَا كِنَايَةٌ عَنْ النَّهْيِ عَنْ تَكَلُّفِ إطَالَتِهَا عَنْ الْمُعْتَادِ فِي سَائِرِ مَشْيِهِ وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي فَيُضَعِّفُهُ أَنَّهُ قَدْ تَحْصُلُ الشَّوْهَةُ فِي مَشْيِهِ بِتَقْرِيبِ الْخُطَا وَلَا سِيَّمَا إنْ بَالَغَ فِي الْمُقَارَبَةِ، وَلِأَنَّهُ لَا نَظِيرَ لَهُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ تَعَمَّدَ إلْقَاءَ الْمِدَادِ فِي ثَوْبِهِ لِيَكُونَ لَهُ كَدَمِ الشُّهَدَاءِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَرَوْنَ لَهُ كَذَلِكَ مَا حَصَلَ لَهُ بِلَا عَمْدٍ كَالْمُصِيبَةِ، وَمَا اُضْطُرَّ إلَى مُلَاقَاتِهِ بِهِ وَلَوْ تَعَمَّدَ الْإِبْطَاءَ فِي مَرَاحِلِهِ إلَى الْحَجِّ أَوْ فِي مَنَازِلِهِ لِيُكْثِرَ مَا يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ فَيَعْظُمُ لَهُ الْأَجْرُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ، وَكَذَا لَوْ تَعَمَّدَ الذَّهَابَ إلَيْهِ أَوْ إلَى نَحْوِهِ مِنْ أُمُورِ الْخَيْرِ مِنْ الطَّرِيقِ الصَّعْبِ أَوْ الْبَعِيدِ مَعَ إمْكَانِ السَّهْلِ الْقَرِيبِ وَتَيَسُّرِهِ بِلَا ضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ غَيْرِ تَكْثِيرِ الْأَجْرِ بِكَثْرَةِ الْخُطَا وَكَثْرَةِ الْإِنْفَاقِ أَوْ لِقَائِهِ الشِّدَّةَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ذَلِكَ، بَلْ يَحْصُلُ مَا يَكُونُ لَهُ لَوْ ذَهَبَ كَمَا أَمْكَنَ وَتَيَسَّرَ بِلَا تَكَلُّفٍ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَأَمَّا فِعْلُهُ ذَلِكَ فَأُرَاهُ بِطَالَةً وَأَخَاف عَلَيْهِ الْإِثْمَ فِيمَا يُصِيبُهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ فَوَاتِ مَا قَدْ يَفُوتُ كَإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ

فِي مَسْأَلَتِنَا، وَلَيْسَ ثَوَابُ الطَّرِيقِ أَفْضَلَ مِنْ ثَوَابِ الْحُصُولِ فِي الْمَسْجِدِ وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ، فَإِنَّ الْحُصُولَ فِيهِ لِانْتِظَارِهَا صَلَاةٌ وَلَا أَفْضَلَ مِنْ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ بَلْ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ، فَمَا أَرَى ذَلِكَ الْحَدِيثَ إلَّا كَالْمُرَادِ فِي الْأَحَادِيثِ الْوَقَارُ فِي الذَّهَابِ إلَى الْمَسْجِدِ، فَافْهَمْ.

وَظَهَرَ لِي مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَجْهٌ آخَرُ هُوَ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ التَّمَهُّلَ فِي الْمَشْيِ عَلَى قَدْرِ عَادَةِ مَنْ لَا يُسْرِعُ فِي مَشْيِهِ، فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ تَقَارُبُ الْخُطَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُسْرِعِ أَوْ النَّاشِطِ، فَإِنَّهَا كُلَّمَا أُرِيدَتْ السُّرْعَةُ أَوْ النَّشَاطُ طَالَتْ، وَهَذَا وَجْهٌ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ السَّابِقَيْنِ، وَالْخُطَا - بِضَمِّ الْخَاءِ -: جَمْعُ خُطْوَةٍ، بِضَمِّهَا، وَالْخُطَا - بِفَتْحِهَا -: