شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٣٦٢

وَلَا يَجِبُ رَدُّهُ عَلَيْهِ إنْ سَلَّمَ، وَيُرَدُّ عَلَى يَهُودِيٍّ بِوَعَلَيْكَ مَا قُلْتَ.

----------------------

عِنَادًا لَا زَلَّةً كَمَنْ يُعَانِدُ وَيَقُولُ: اللَّهُ أَكْبَرُ وَيَمُدُّ الْبَاءَ بِأَلِفٍ، لِأَنَّ أَكْبَارُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَمَدِّ الْبَاءِ بِأَلِفٍ جَمْعُ كِبْرٍ أَوْ كُبْرٍ فَمَعْنَاهُ طُبُولٌ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، (وَلَا يَجِبُ رَدُّهُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مِثْلِ الْبَاغِي (إنْ سَلَّمَ) وَلَهُ أَنْ يُسَلِّمَ نَاوِيًا مَعْنَى قَوْلِكَ: إنَّ اللَّهَ عَلَيْكَ رَقِيبٌ فَاتْرُكْ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ الْمَعَاصِي، لَا نَاوِيًا مَعْنَى السَّلَامَةِ، وَعِنْدِي الْمَنْعُ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ أَمَانٌ، وَلَوْ فُسِّرَ بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَلَا أَمَانَ لِهَؤُلَاءِ (وَيُرَدُّ عَلَى يَهُودِيٍّ بِوَعَلَيْكَ مَا قُلْتَ) وَالْخُلْفُ فِي النَّصْرَانِيِّ فَقِيلَ: يُرَدُّ عَلَيْهِ بِوَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ، وَقِيلَ: بِ عَلَيْكَ مَا قُلْتَ، وَسَائِرُ الْمُشْرِكِينَ مِثْلُهُ، وَقَالَ ابْنُ وَصَّافٍ: إنْ قَالَ الْمُشْرِكُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ، فَقُلْ: وَعَلَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّلَامُ، فَتَرَاهُ عَمَّمَ الْمُشْرِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَالْيَهُودُ تَعْنِي بِسَلَامِهَا الشَّتْمَ، قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ مِنْ الْيَهُودِ فَإِنَّمَا يَقُولُ: السَّامُّ عَلَيْكُمْ، وَالسَّامُّ الْمَوْتُ، وَلَكِنْ قُولُوا: وَعَلَيْكَ مَا قُلْتَ﴾.

وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَدَمَ رَدِّ السَّلَامِ عَلَى الْيَهُودِ أَنَّهُمْ يَغِشُّونَ فِي سَلَامِهِمْ، فَلَوْلَا أَنَّهُمْ يَغِشُّونَ لَرَدَدْنَا عَلَيْهِمْ، فَمَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِالْغِشِّ مِنْ سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ رَدَدْنَا عَلَيْهِ، وَمِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَحَدٌ مَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقُولُوا: وَعَلَيْكُمْ﴾، وَمِنْ طَرِيقِهِ أَيْضًا عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {لَا تَزِيدُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى

وَعَلَيْكُمْ}، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ الْحَدِيثَيْنِ كَلَامُ ابْنِ وَصَّافٍ وَعَمَّمَ ابْنُ وَصَّافٍ لِأَنَّ الْحَدِيثَيْنِ إنَّمَا ذُكِرَ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقَطْ فِيهِمَا لِأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ يُخَالِطُونَ الْمُسْلِمِينَ وَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ لَا لِانْحِصَارِ الْحُكْمِ فِيهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَدَّ عَلَيْهِ