شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس

الجزء ٦ · صفحة ١١

وَحُرْمَةِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، وَأَكْلِ كَرِيهٍ كَثُومٍ وَبَصَلٍ وَإِمْسَاكِهِ

-----------------

(وَحُرْمَةِ الصَّدَقَةِ) أَيْ الزَّكَاةِ (عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ) بَنِي هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ، وَذَكَرَ فِي الْمَوَاهِبِ: أَنَّ الزَّكَاةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ، وَأَنَّ الصَّدَقَةَ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ، قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ﴾ وَإِنَّ مَنْ قَالَ بِإِبَاحَتِهَا يَقُولُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ امْتِنَاعِهِ مِنْ أَكْلِهَا تَحْرِيمُهَا، فَلَعَلَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ تَنَزُّهًا لَا تَحْرِيمًا، وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ، فَمِنْ خَصَائِصِهِ الِامْتِنَاعُ عَنْ أَكْلِ الصَّدَقَةِ، إمَّا وُجُوبًا وَإِمَّا تَنَزُّهًا صِيَانَةً لِمَنْصِبِهِ عَنْ أَوْسَاخِ أَمْوَالِ النَّاسِ ا هـ.

وَحَلَّتْ لَهُ الْهِبَةُ بِاتِّفَاقٍ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّدَقَةِ فِي الْحَدِيثِ الزَّكَاةُ، وَلَوْ كَانَ الصَّحِيحُ تَحْرِيمَ الصَّدَقَةِ أَيْضًا عَلَيْهِ، وَلَوْ غَيْرَ زَكَاةٍ لِأَنَّهَا: هِيَ مَا قَارَنَهُ الْخُضُوعُ لَهَا وَلِصَاحِبِهَا مِمَّنْ يَأْخُذُهَا، وَمَنْصِبُ النُّبُوَّةِ أَعْلَى عَنْ ذَلِكَ، فَإِذَا عَلِمَ اعْتِقَادَ الْمُعْطِي ذَلِكَ لَمْ يَقْبَلْهَا عَنْهُ، وَلَوْ لَمْ يَلْفِظْ الْمُعْطِي بِلَفْظِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ تَلَفَّظَ بِهَا لَمْ يَأْخُذْ عَنْهُ وَلَوْ نَوَاهَا هَدِيَّةً وَعَلِمَ بِذَلِكَ، لِأَنَّ أَخْذَهَا مَعَ تَلَفُّظِهِ يُوهِمُ أَنَّهُ تَحِلُّ لَهُ، وَإِنَّمَا تَحِلُّ لَهُ الْهِبَةُ وَالْهَدِيَّةُ، فَأَمَّا الْهِبَةُ فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ، وَلَا بَأْسَ فِيهَا وَلَا فِي التَّلَفُّظِ بِهَا، وَأَمَّا الْإِهْدَاءُ فَنَفْعٌ، وَذَكَرَ أَنَّ الصَّحِيحَ تَحْرِيمُ كَوْنِ آلِهِ عُمَّالًا عَلَى الزَّكَاةِ، وَصَرْفُ النَّذْرِ وَالْكَفَّارَةِ إلَيْهِمْ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ صَرْفُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ إلَيْهِمْ، وَمَنَعَتْهُ الْمَالِكِيَّةُ.

(وَأَكْلِ كَرِيهٍ) رَائِحَتُهُ (كَثُومٍ وَبَصَلٍ وَإِمْسَاكِهِ) لِتَوَقُّعِ الْمَلَائِكَةِ وَالْوَحْي فِي كُلِّ سَاعَةٍ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَنَّ الثُّومَ وَالْبَصَلَ وَالْكُرَّاثَ وَنَحْوَهَا مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ فِي حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَلَا دَلِيلَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ (لَا) فِي جَوَابِ السَّائِلِ: أَحَرَامٌ هِيَ؟ لِجَوَازِ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا لَيْسَتْ حَرَامًا فِي حَقِّكُمْ، وَالثُّومُ أَشَدُّ وَكَانَ يَتْرُكُهُ دَائِمًا، وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: ﴿أَنَّ آخِرَ طَعَامٍ أَكَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ بَصَلٌ﴾، وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ مَنَعَ آكِلَ الْبَصَلِ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ.