شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء السادس

الجزء ٦ · صفحة ١٢٢

....................................................................................

-----------------

وَقِيلَ: إنْ ظَهَرَتْ عَلَامَةُ السَّخَطِ مِنْهَا لَمْ تُنْكَحْ وَلَوْ سَكَتَتْ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ إذْنَهَا صَمْتُهَا وَلَوْ لَمْ يَقُلْ لَهَا ذَلِكَ، وَالْحَدِيثُ فِي الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ الْعَاقِلَةِ فَإِنَّ الطِّفْلَةَ وَالْمَجْنُونَةَ لَا إذْنَ لَهُمَا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَنُوبَ صَمْتُهُمَا عَنْهُ، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ اسْتِئْمَارِ الْبِكْرِ وَلَوْ غَيْرَ بَالِغَةٍ، وَأَنَّ لَهَا إذْنًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْبِكْرَ لَا يُزَوِّجُهَا الْأَبُ وَلَا غَيْرُهُ إلَّا بِاسْتِئْمَارٍ، وَصَرَّحَتْ بِذَلِكَ رِوَايَةُ: ﴿لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حتَّى تُسْتَأْذَنَ﴾ فَإِنْ وَقَعَ وَأَنْكَرَتْ بَطَلَ، وَبِهِ قُلْنَا، إلَّا ابْنَ عَبَّادٍ رَحِمَهُ اللَّهُ

فَإِنَّهُ كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ يَقُولُ: عَقْدُ الْأَبِ مَاضٍ عَلَيْهَا وَلَوْ رَدَّتْهُ، وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَمْرُ النِّسَاءِ إلَى آبَائِهِنَّ وَرِضَاهُنَّ السُّكُوتُ﴾ (رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُنَّ وَلَوْ كَانَ الْمُزَوِّجُ أَبًا، لِأَنَّهُ قَالَ: رِضَاهُنَّ السُّكُوتُ فَذَكَرَ الرِّضَى، وَقَدْ رَوَى جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَائِشَةَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿كَانَتْ خَنْسَاءُ بِنْتُ حِزَامٍ الْأَنْصَارِيَّةُ زَوَّجَهَا أَبُوهَا وَهِيَ ثَيِّبٌ، فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، فَأَتَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَتْهُ فَرَدَّ نِكَاحَهَا﴾، وَفِي رِوَايَةٍ مَرْجُوحَةٍ وَهِيَ بِكْرٌ.

وَفِي الدِّيوَانِ وَقِيلَ فِي الْبِكْرِ: إنْ زَوَّجَهَا وَلِيُّهَا جَازَ عَلَيْهَا، وَلَا إنْكَارَ لَهَا، وَيُزَوِّجُ الْأَبُ الْبِكْرَ الطِّفْلَةَ، وَشَذَّ الْمَانِعُ، وَأَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ الْجَدَّ بِالْأَبِ فِي مُضِيِّ تَزْوِيجِ الْبِكْرِ الْبَالِغَةِ، وَلَا يَقْدُمُ لِلْعَقْدِ عَلَى الْبِكْرِ إلَّا بَعْدَ رِضَاهَا لِلرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِنْ وَقَعَ قَبْلَ اسْتِئْذَانِهَا رُدَّ الْأَمْرُ إلَيْهَا بَعْدَ ذَلِكَ، هَذَا مُرَادُ أَصْحَابِنَا وَفَهِمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ يُجِيزُونَ الْإِقْدَامَ عَلَى الْعَقْدِ بِدُونِ اسْتِئْذَانٍ، ثُمَّ يُرَدُّ الْأَمْرُ إلَيْهَا، وَإِنَّمَا جُعِلَ سُكُوتُهَا رِضَاهَا لِأَنَّهَا قَدْ تَسْتَحْيِي أَنْ تُفْصِحَ، وَمِثْلُ السُّكُوتِ الضَّحِكُ وَالْبُكَاءُ، وَالصَّيْحَةُ، وَالْمُطَلَّقَةُ