الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ٣٠.......................................................................................
-----------------
وَفِي (اللُّقَطِ): إنَّ مَاءَ الْبِئْرِ مَاءُ عَنَاءٍ وَكَذَا مَاءُ الْجُبِّ فَيَجُوزُ بَيْعُهَا، وَقِيلَ بِجَوَازِ الِاسْتِقَاءِ مِنْ الْجُبِّ إذَا وُجِدَ مَفْتُوحًا، أَيْ مَا لَمْ يُعْرَفْ مَنْعٌ مِنْ صَاحِبِهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مُرَادَ الشَّيْخِ فِي قَوْلِهِ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَقِيَ الرَّجُلُ مِنْ جُبِّ غَيْرِهِ بِلَا إذْنٍ وَعَلَى هَذَا فَوَجْهُ الدَّلَالَةِ التَّسَامُحُ فِي الْمَاءِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْجُبِّ الْبِئْرَ فَهَذَا يَجُوزُ الِاسْتِقَاءُ مِنْهُ وَلَوْ مَنَعَ صَاحِبُهُ وَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يُرِيدَ بِالْجُبِّ الْمَاجِلَ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ قَرِينَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الْمَاجِلَ بِقَرِينَةِ ذِكْرِ الِاسْتِئْجَارِ عَلَى امْتِلَائِهِ، وَلَا قَرِينَةَ هُنَا بَلْ يَبْعُدُ كُلَّ الْبَعْدِ أَنْ يَسْتَقِيَ الْإِنْسَانُ مَاءً مِنْ مَاجِلٍ غَيْرِهِ بِلَا رِضَاهُ وَقَدْ اعْتَنَى بِتَجْصِيصِهِ أَوْ نَحْوِ تَجْصِيصِهِ وَبِتَسْقِيفِهِ وَإِصْلَاحِ الْمَجَارِي إلَيْهِ وَصَرَفَ فِي ذَلِكَ مَالَهُ وَجَعَلَهُ خِزَانَةً لِشَرَابِهِ فِي الصَّيْفِ وَغَيْرِهِ، فَهَذَا لَا يُقَالُ بِهِ إلَّا إنْ أَبَاحَهُ صَاحِبُهُ، اللَّهُمَّ إلَّا إنْ كَانَ لَهُ جُبٌّ آخَرُ أَوْ مَشْرَبٌ آخَرُ وَبَقِيَ هَذَا الْجُبُّ فَضْلَةً لَهُ وَامْتَلَأَ بِالْمَطَرِ أَوْ بِالْعَيْنِ بِلَا عَنَاءٍ فِي الْمَاءِ فَقَدْ يَقُولُ قَائِلٌ لَا يَمْنَعُهُ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ لَهُ مَنْعَهُ؛
لِأَنَّهُ إنَاؤُهُ كَمَا أَنَّ لَهُ مَنْعَ سَائِرِ مَا فَضَلَ عَنْهُ إلَّا إنْ خَافَ الْمَوْتَ أَوْ الضُّرَّ عَلَى أَحَدٍ، وَعَلَى قَوْلِ " اللُّقَطِ " فَالْمَاءُ الْمَنْهِيُّ عَنْ بَيْعِهِ هُوَ مَا فَضَلَ عَنْ حَاجَتِهِ مِنْ ضَاءَةٍ سَبَقَ إلَيْهَا وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا عَنَاءَ لَهُ فِيهِ فَلَوْ تَعَنَّى بِإِنْشَاءِ حَوْضٍ يَجْتَمِعُ فِيهِ مَاءُ عَيْنٍ أَوْ مَطَرٍ فِي الصَّحْرَاءِ لَمْ يَجُزْ لَهُ مَنْعُ فَضْلِهِ عَلَى كَلَامِ الشَّيْخِ، وَجَازَ عَلَى كَلَامِ " اللُّقَطِ "؛ لِأَنَّ فِيهِ عَنَاءً وَوَجْهُ تَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ الْمَنْعَ بِالْعُمْرَانِ كَثْرَةُ الْمَاءِ وَعَدَمُ احْتِيَاجِ صَاحِبِهِ إلَيْهِ فَلَا وَجْهَ لَأَنْ يَمْنَعَهُ، وَوَجْهُ تَخْصِيصِ الْمَنْعِ بِالصَّحْرَاءِ أَنَّهَا مَحَلُّ احْتِيَاجٍ إلَى الْمَاءِ فَلَا يُضَيَّقُ عَلَى النَّاسِ الْمَنْعُ.