شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الثامن

الجزء ٨ · صفحة ٧٣

.......................................................................................

-----------------

وَالْحُكْمُ بِفَسَادِهِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ رِبًا أَوْ نَحْوُهُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَجُوزُ وَلَكِنْ لَا يُفْسَخُ إنْ وَقَعَ وَجَبَ النَّهْيُ وَلَا يُحْكَمُ بِفَسَادِهِ، وَذَلِكَ حَمْلٌ لَهَا عَلَى التُّهْمَةِ، وَقَدْ أَخَذَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِالتُّهْمَةِ وَأَجْرَتْ الْأَمْرَ عَلَى الظَّاهِرِ؛ إذْ قَالَتْ لِسُرِّيَّةِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ: أَبْلَغِي زَيْدًا أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ عَمَلَهُ إنْ لَمْ يَتُبْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ابْتَاعَ جَارِيَةً مِنْ سُرِّيَّتِهِ بِثَمَانِي مِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى خُرُوجِ الْعَطَاءِ، فَاشْتَرَتْهَا مِنْهُ السُّرِّيَّةُ نَقْدًا بِسِتِّ مِائَةٍ، فَآلَ الْأَمْرُ إلَى سِتّ مِائَةٍ بِثَمَانِي مِائَةٍ مُؤَجَّلَةٍ، وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّ الرِّبَا يَقَعُ بَيْنَ السَّيِّدِ وَمَمْلُوكِهِ، وَأَنَّهُ يَمْلِكُ، وَقَدْ مَرَّ فِيهِ خِلَافٌ، وَالتَّحْقِيقُ عِنْدِي وُقُوعُهُ إذَا كَانَ فِي نِيَّةِ السَّيِّدِ أَنَّهُ يَدَعُ لَهُ مَا بَاعَ لَهُ وَلَوْ كَانَ يُحْكَمُ بِهِ لِلسَّيِّدِ إنْ أَرَادَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا سُمِّيَتْ سُرِّيَّةً بِاعْتِبَارِ مَا كَانَتْ بِأَنْ كَانَتْ سُرِّيَّةً ثُمَّ عَتَقَتْ وَوَقَعَ الْبَيْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَيْدٍ بَعْدَ الْعِتْقِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ بَيْعُ التَّذَرُّعِ إذَا كَانَ مَا آلَ إلَيْهِ مِمَّا لَا يَجُوزُ غَيْرَ مَبْنِيٍّ عَلَيْهِ الْبَيْعُ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ فِي الظَّاهِرِ؛ لِئَلَّا يَحْمِلَ النَّاسُ عَلَى التُّهْمَةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ اللَّهِ فَإِنْ عَنَيَا مَا لَا يَجُوزُ لَمْ يَجُزْ قَطْعًا، وَإِلَّا جَازَ قَطْعًا، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: حِيَلُ الرِّبَا كُلُّهَا دَاخِلَةٌ فِي حَدِيثِ: ﴿إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ﴾، وَنَحْوِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ، وَهَكَذَا حِيَلُ الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا؛ لِأَنَّ الْمَنْوِيَّ الرِّبَا وَنَحْوَهُ دُونَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ ا هـ بِزِيَادَةٍ.

وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَعْمَلُهُ أَهْلُ هَذِهِ الْبِلَادِ مِنْ أَنَّهُ يَتَّفِقُ الْمُتَدَايِنَانِ عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ، فَيَشْتَرِي صَاحِبُ الْمَالِ عَرَضًا أَوْ أَصْلًا بِمِائَةِ رِيَالَةٍ مَثَلًا نَقْدًا ثُمَّ يَبِيعُهَا لِمُرِيدِ أَخْذِ الدَّيْنِ عَنْهُ بِمِائَةٍ وَعَشْرٍ مَثَلًا نَسِيئَةً، ثُمَّ يَبِيعُهَا لِلْبَائِعِ الْأَوَّلِ نَقْدًا بِمِائَةٍ غَيْرِ رُبْعٍ مَثَلًا، فَآلَ ذَلِكَ إلَى مِائَةٍ بِمِائَةٍ وَعَشَرَةٍ نَسِيئَةً، وَالْعَرَضُ أَوْ الْأَصْلُ حِيلَةٌ، وَذَلِكَ عَيْنُ الرِّبَا، وَلَكِنْ قَدْ ذَكَرَ عَمُّنَا مُوسَى بْنُ عَامِرٍ جَوَازَ ذَلِكَ فِي لُقَطِهِ،