شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الثامن

الجزء ٨ · صفحة ١٧٠

وَلَا يَتَلَقُّوا بِقَصْدِ الْخُرُوجِ إلَيْهِمْ لِتَجْرٍ دُونَ فَرْسَخَيْنِ. ........................................................

----------------------------------------------------

وَقَالَ مَالِكٌ: صَحَّا وَيَشْتَرِكُ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سُوقَهَا فَتَرْجِعَ لَهُمْ الْمَنْفَعَةُ، وَكَذَا الْجَالِبُ تَرْجِعُ لَهُ، وَقِيلَ: فَسَدَا وَاخْتَارَهُ الْبُخَارِيُّ بَلْ جَزَمَ بِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّهْيَ يَدُلُّ عَلَى فَسَادِ مَا ارْتَكَبَ هُوَ فِيهِ، وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ فِيمَا يَرْجِعُ إلَى ذَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَأَمَّا إنْ رَجَعَ إلَى أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَصِحُّ الْبَيْعُ مَثَلًا وَيَثْبُتُ الْخِيَارُ إنْ لَمْ يَكُنْ غَبْنٌ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ بِثُبُوتِ بَيْعِ الْمُتَلَقِّي وَشِرَائِهِ وَلِصَاحِبِهِ الْخِيَارُ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ فِي الْمَسْأَلَةِ، وَمِثْلُهُ فِي كُلِّ غَرَرٍ ذَهَبَ بِهِ مَالٌ بِخِلَافِ الْغَبْنِ بِلَا غَرَرٍ، فَإِنَّهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْبَيْعِ عِنْدَهُ لِعَدَمِ وُرُودِ النَّهْيِ فِيهِ، وَيَدُلُّ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ: ﴿مَنْ تَلَقَّى شَيْئًا مِنْ الْجَالِبِ، فَالْجَالِبُ بِالْخِيَارِ إذَا أَتَى السُّوقَ﴾.

(وَلَا يَتَلَقُّوا بِقَصْدِ الْخُرُوجِ إلَيْهِمْ لِتَجْرٍ) قِيلَ: (وَجَازَ لِغَيْرِ تَجْرٍ يَتَلَقَّوْا بِقَصْدِ الْخُرُوجِ إلَيْهِمْ لِتَجْرٍ) قِيلَ: وَجَازَ لِغَيْرِ تَجْرٍ كَلُبْسٍ وَأَكْلٍ وَاسْتِخْدَامٍ، قُلْتُ: لَا يَجُوزُ لِتَجْرٍ وَلَا لِغَيْرِهِ لِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي السَّوَالِعِ حَتَّى تَهْبِطَ السُّوقَ، وَلِأَنَّ الْمَضَرَّةَ تَلْحَقُ الْجَالِبَ وَأَهْلَ الْبَلَدِ بِمُبَايَعَتِهِ لِتَجْرٍ أَوْ لِغَيْرِ تَجْرٍ (دُونَ فَرْسَخَيْنِ) وَجَازَ بَعْدَهُمَا، وَاَلَّذِي عِنْدِي الْمَنْعُ مُطْلَقًا لِعُمُومِ النَّهْيِ،

وَلُحُوقِ الْمَضَرَّةِ، فَمَنْ شَاءَ ذَهَبَ إلَيْهِمْ قَبْلَ أَنْ يُطْلَقَ اسْمُ الْجَالِبِ، بِأَنْ يَقْصِدَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَقْصِدَ بِهَا الْبَلَدَ، وَيَخْرُجُوا عَنْهَا إلَيْهِ، وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، فَعَامٌّ مَخْصُوصٌ بِغَيْرِ تَلَقِّي الْجَوَالِبِ لَا كَمَا قِيلَ: إنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَلَقِّيهمْ بَعْدَ فَرْسَخَيْنِ، ثُمَّ رَأَيْتُ الْمَنْعَ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَقَوْلًا لِلشَّافِعِيَّةِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَاخْتَلَفَتْ الْمَالِكِيَّةُ فَقَالَ بَعْضٌ: حَدُّ الْمَنْعِ مَا دُونَ الْمِيلِ، وَبَعْضٌ مَا دُونَ الْيَوْمَيْنِ، وَبَعْضٌ مَا دُونَ الْفَرْسَخَيْنِ،