شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الثامن

الجزء ٨ · صفحة ١٧٣

لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَرُوا النَّاسَ يَنْتَفِعُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَالْبَادِي يَبِيعُ بِمَا رُزِقَ مِنْ سِعْرٍ وَلَا يَتَحَكَّمُ مُعِينُهُ بِمَالِهِ عَلَى النَّاسِ ....................................................................

-----------------

لِيَنْتَفِعُوا بِالْبُدَاةِ (لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي شَأْنِ بَادٍ وَحَاضِرٍ: (ذَرُوا النَّاسَ) اُتْرُكُوهُمْ (يَنْتَفِعُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ)، وَالْمُعْتَبَرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خُصُوصُ السَّبَبِ، لَا عُمُومُ اللَّفْظِ، لِقِيَامِ قَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيمِ الْحَاضِرِ وَإِعَانَتِهِ مُطْلَقًا، وَتَعْلِيمِ الْبَدْوِيِّ وَإِعَانَتِهِ عَلَى مِثْلِهِ، (وَالْبَادِي يَبِيعُ بِمَا رُزِقَ مِنْ سِعْرٍ) أَيْ الْوَاجِبُ أَنْ يُتْرَكَ فَيَبِيعَ بِمَا رُزِقَ مِنْ سِعْرٍ (وَلَا يَتَحَكَّمُ مُعِينُهُ) أَيْ لَا يَتَعَاطَى الْحُكْمَ (بِمَالِهِ) أَيْ بِمَالِ الْبَادِي (عَلَى النَّاسِ) كَيْفَ شَاءَ، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ أَنْ يُبَيِّنَ السِّعْرَ لِلْبَادِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إعَانَةٌ لَهُ إلَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَصَرَ النَّهْيَ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، أَوْ عَلَى الْبَيْعِ فَقَطْ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ أَنَّهُ سَأَلَهُ الْبَدْوِيُّ أَنْ يَبِيعَ لَهُ فَقَالَ: لَا - لِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَكِنْ سَاوِمْ وَأُشِيرُ عَلَيْكَ، أَيْ أَعْرِضْ عَلَيَّ السَّوْمَ، مَعَ أَنْ أُشِيرَ عَلَيْكَ أَنْ بِعْ وَأَنْ لَا تَبِعْ، وَقَدْ قِيلَ: إذَا اسْتَنْصَحَهُ الْبَادِي نَصَحَهُ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: ﴿ذَرُوا النَّاسَ يُرْزَقُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا اسْتَنْصَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَنْصَحْهُ﴾، وَهُوَ يَدُلُّ لِفِعْلِ طَلْحَةَ، وَدَخَلَ فِي ذَلِكَ مَا إذَا أَرْسَلَ الْبَدْوِيُّ الشَّيْءَ لِحَذِرٍ يَبِيعُهُ فَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَكَذَا الشِّرَاءُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُنَافٍ لِلرِّفْقِ بِأَهْلِ الْحَضَرِ، وَإِنْ أَرْسَلَ إلَيْهِ: اشْتَرِ لِي كَذَا أُعْطِكَ ثَمَنَهُ - جَازَ.

وَأَمَّا أَنْ يَطُوفَ بِهِ مَوَاضِعَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مُعَيِّنًا لَهُ أَوْ مُبَيِّنًا فَلَا، وَالْمُرَادُ بِالْبَادِي مَنْ لَيْسَ لَهُ مَنْزِلُهُ فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ الَّتِي جَاءَ إلَيْهَا، بَلْ مَنْزِلُهُ الْبَدْوُ، أَوْ قَرْيَةٌ أُخْرَى، وَتَسْمِيَةُ هَذَا

بَادِيًا إنَّمَا هِيَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ قَطَعَ الْبَدْوَ، وَسَوَاءٌ كَانَ خَارِجًا عَنْ أَمْيَالِ الْقَرْيَةِ أَمْ دَخَلَهَا، وَيَجُوزُ، قِيلَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يُعِينَ شَرِيكَهُ الْبَادِيَ فِيمَا اشْتَرَكَاهُ، وَالتَّحْقِيقُ أَنْ يَقْتَسِمَا مَا جَاءَ بِهِ لِئَلَّا يُعِينَهُ فِي سَهْمِهِ.