الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ١٩١لِيُوهِمَ أَنَّ لَبَنَهَا كُلَّ يَوْمٍ كَذَلِكَ. وَنُهِيَ عَنْ إيهَامِ الْمُسْلِمِ وَغَرَرِهِ.
------------------
تَرَكَ حَلْبَهَا وَحِيلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا يَرْضِعُهَا (لِيُوهِمَ أَنَّ لَبَنَهَا كُلَّ يَوْمٍ كَذَلِكَ)، وَكَذَا إنْ تَرَكَهُ فِي ضَرْعِهَا لَا لِإِيهَامٍ وَلَمْ يُخْبِرْ بِهِ الْمُشْتَرِيَ، وَيُحْتَمَلُ دُخُولُ هَذَا فِي كَلَامِهِ بِأَنْ تُجْعَلَ الْأُمُّ لِمُطْلَقِ الْعَاقِبَةِ الصَّادِقَةِ بِالْمَقْصُودَةِ وَالطَّارِئَةِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَصْدًا لِلْإِيهَامِ أَوْ اتَّفَقَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يُخْبِرْ الْمُشْتَرِيَ عَمْدًا أَوْ بِدُونِ عَمْدٍ، وَقَدْ تَوَهَّمَ الْمُشْتَرِي فَذَلِكَ مِنْهُ إضْرَارٌ لِلْمُشْتَرِي وَلَكِنْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي عَدَمِ الْعَمْدِ، فَإِنْ شَاءَ الْمُشْتَرِي رَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَرَدَّ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى مَا يَأْتِي، وَتَعَمُّدُ ذَلِكَ حَرَامٌ فَالنَّهْيُ عَنْهُ تَحْرِيمٌ، فَجَزَمَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ التَّصْرِيَةَ وَالتَّحْفِيلَ مُحَرَّمَانِ سَوَاءٌ قَصَدَ الْغِشَّ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ فِيهِمَا إيذَاءَ الْحَيَوَانِ، وَخَرَّجَ النَّسَائِيّ عَنْ الْأَعْرَجِ: ﴿لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ لِلْبَيْعِ﴾ "، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ، وَيَدُلُّ لَهُ تَعْلِيلُ الْأَكْثَرِ بِالتَّدْلِيسِ كَقَوْلِ الْمُصَنِّفِ لِيُوهِمَ أَنَّ لَبَنَهَا كُلَّ يَوْمٍ كَذَلِكَ وَقَوْلُ أَبِي يَعْقُوبَ يُوسُفَ إبْرَاهِيمَ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَوْ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ مَعْنَى: لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ لَا تَحُولُوا بَيْنَ الشَّاةِ وَوَلَدِهَا وَتَتْرُكُوا اللَّبَنَ فِي ضَرْعِهَا حَتَّى يَعْظُمَ فَيَظُنُّ الْمُشْتَرِي كَذَلِكَ هِيَ، وَيُجَابُ عَنْ التَّعْلِيلِ بِالْإِيذَاءِ بِأَنَّهُ ضَرَرٌ يَسِيرٌ لَا يَسْتَمِرُّ فَيُغْتَفَرُ لِتَحْصِيلِ الْمَنْفَعَةِ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ بِقَصْدِ التَّدْلِيسِ.
(وَ) قَدْ (نُهِيَ عَنْ إيهَامِ الْمُسْلِمِ وَغَرَرِهِ) فَمَنْ سَقَى حَيَوَانَهُ بَعْدَ عَطَشٍ لَا لِغَرَضِ الْإِيهَامِ أَوْ حَبَسَ اللَّبَنَ فِي الضَّرْعِ لَا لِلْإِيهَامِ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي يَتَوَهَّمُ غَيْرَ الْمَوْجُودِ لَزِمَ الْبَائِعَ الْإِخْبَارُ، قَالَ بَعْضٌ: لَا يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ التَّدْلِيسُ مِثْلُ أَنْ يَعْلَمَ بِسِلْعَتِهِ عَيْبًا فَيَكْتُمَهُ عَنْ الْمُشْتَرِي، وَلَا الْغِشُّ مِثْلُ أَنْ يَجْعَلَ فِي اللَّبَنِ مَاءً، وَقَدْ طَرَحَ عُمَرُ فِي الْأَرْضِ لَبَنًا غُشَّ تَأْدِيبًا لِصَاحِبِهِ فِيمَا قِيلَ، وَلَا الْخِلَابَةُ، وَهِيَ الْكَذِبُ فِي الثَّمَنِ وَلَا الْخَدِيعَةُ وَهِيَ أَنْ يَخْدَعَهُ بِالْكَلَامِ حَتَّى يُوقِعَهُ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: