الجزء الثامن
الجزء ٨ · صفحة ٢١٥...............................................................
------------
وَلَمْ يَبْقَ خِيَارٌ، وَلَوْ لَمْ يَفْتَرِقَا مِنْ الْمَجْلِسِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، وَالْإِشْهَادُ إنْ وَقَعَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ لَمْ يُطَابِقْ الْأَمْرَ، وَإِنْ وَقَعَ قَبْلَهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلًّا، وَعُورِضَ الِاسْتِدْلَال بِحَدِيثِ التَّحَالُفِ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا بَعْدَ الِافْتِرَاقِ مِنْ الْمَجْلِسِ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى مَا قَبْلَهُ أَيْضًا صَحَّ بِأَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ لِيَسْتَقِرَّ الْأَمْرُ لَهُمَا مِنْ الْفَسْخِ وَالْإِمْضَاءِ عَلَى التَّخْيِيرِ حَتَّى يَفْتَرِقَا مِنْهُ، وَعُورِضَ الِاسْتِدْلَال بِالْآيَةِ بِأَنَّ الْإِشْهَادَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ تَحَفُّظٌ عَلَى الْبَيْعِ الْوَاقِعِ، وَقَبْلَهُ تَحَفُّظٌ عَلَى الْعَقْدِ لِيُحْكَمَ بِهِ إنْ افْتَرَقَا وَلَمْ يَنْقُضْهُ أَحَدُهُمَا وَاسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الزَّوْجَيْنِ: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ وَذَلِكَ بِالْقَوْلِ لَا
بِالْأَبْدَانِ، وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ يَتَفَرَّقَا بِالْبَدَنِ، وَلَوْ كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّفَرُّقِ بِالْقَوْلِ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْوَفَاءُ بِالْعُقُودِ وَهِيَ الْمَوَاعِيدُ وَاجِبًا وَتَرْكُهُ حَرَامًا لَزِمَ الْعَمَلُ بِمَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْحَرَامِ وَذَلِكَ بِإِمْضَاءِ الْبَيْعِ عَلَى الْوَعْدِ، فَلَزِمَ وَلِيَّ الْأَمْرِ أَنْ يُجْبِرَهُمْ عَلَى التَّسْلِيمِ يُوفِي هَذَا مُثَمَّنًا وَهَذَا ثَمَنًا.
وَكَذَا قَوْلُهُ: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ سَبَبِ النُّزُولِ، وَهُوَ هُنَا أَنَّهُمْ قَالُوا: لَوْ عَلِمْنَا أَحَبَّ الْأَعْمَالِ لَبَذَلْنَا فِيهِ أَنْفُسَنَا وَأَمْوَالَنَا فَنَزَلَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ فَوَلَّوْا يَوْمَ أُحُدٍ، فَنَزَلَ: