شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء التاسع

الجزء ٩ · صفحة ١٢٣

...............................

---------------------------

عَنْهُ فَبَاعَ فَتَلِفَ ضَمِنَ جَمِيعَ مَا تَلِفَ لِأَنَّهُ خَالَفَ مَا حُدَّ لَهُ، وَكَذَا كُلَّمَا خَالَفَ مَا حُدَّ لَهُ وَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ صَحَّ أَنْ يَبِيعَ وَيَقْضِيَ لِنَفْسِهِ وَالْقَضَاءُ بَيْعٌ وَالْبَيْعُ لَا يَكُونُ إلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ؟ قُلْتُ: لَيْسَ كُلُّ قَضَاءٍ بَيْعًا كَمَا يُتَوَهَّمُ وَإِنَّمَا الَّذِي هُوَ بَيْعٌ هُوَ قَضَاءُ خِلَافِ مَا فِي الذِّمَّةِ بَدَلًا مِنْهُ، وَهَبْ أَنَّهُ بَيْعٌ لَكِنْ لَا مَانِعَ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مِنْ وَاحِدٍ بِأَمْرِ الْآخَرِ.

وَحَدِيثُ: (﴿الْبَائِعَانِ بِالْخِيَارِ﴾) لَا يَكُونُ نَصًّا فِي مَنْعِهِ، وَلَوْ احْتَجَّ بِهِ ابْنُ بَرَكَةَ لِلْمَنْعِ، بَلْ أَحَادِيثُ الْبَيْعِ عَنْ تَرَاضٍ دَلِيلٌ لِجَوَازِ كَوْنِ الْوَاحِدِ بَائِعًا مُشْتَرِيًا بِرِضَا الْآخَرِ كَمَا إذَا قَالَ: خُذْ لِنَفْسِكَ مِنْ مَالِي بِمَا تَبِيعُ

بِهِ لِلنَّاسِ أَوْ رَضِيتَ أَنْ تَأْخُذَ لِنَفْسِكَ كَالنَّاسِ وَهُنَا أَخَذَ لِنَفْسِهِ بِرِضَا الْقَائِلِ لَهُ: بِعْ وَخُذْ لِنَفْسِكَ الثَّمَنَ فَكَيْفَ وَلَيْسَ هَذَا بَيْعًا إنَّمَا هُوَ أَخْذٌ مِنْ الْأَمَانَةِ أَوْ أَخْذٌ لَهَا كُلِّهَا بِأَمْرِ صَاحِبِهَا فَإِنَّهُ لَمَّا بَاعَ الشَّيْءَ صَارَ ثَمَنُهُ فِي يَدِهِ أَمَانَةً، فَهُوَ كَمَنْ بِيَدِهِ أَمَانَةٌ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهَا: خُذْهَا أَوْ بَعْضَهَا لِنَفْسِكَ فِي حَقِّكَ، وَكَمَنْ قَالَ لَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ: اذْهَبْ إلَى فُلَانٍ وَخُذْ مِنْهُ مَا لِي عَلَيْكَ فِي حَقِّكَ، أَوْ اذْهَبْ إلَى حُجْرَتِي وَخُذْ مِنْهَا مَا لَكَ عَلَيَّ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَوْ زَادَ مَا نَحْنُ فِيهِ بِأَنَّهُ صَارَ الثَّمَنُ فِي يَدِهِ أَمَانَةً بَعْدَ بَيْعِ الْمُثَمَّنِ الَّذِي كَانَ أَمَانَةً وَلَمْ يَكُنْ أَمَانَةً مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ، وَهَذَا غَيْرُ ضَائِرٍ، وَلَا زَالَتْ الْعُلَمَاءُ فِي الْآثَارِ تُجِيزُ قَوْلَ الْقَائِلِ: اقْضِ مِنْ مَالِي حَقَّكَ، وَقَوْلَ الْقَائِلِ: اقْضِ مَا فِي يَدِكَ حَقَّكَ وَلَا يَخْفَى أَنَّ بَائِعَ الرَّهْنِ يَأْخُذُ بِنَفْسِهِ مِنْ ثَمَنِهِ وَلَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ الرَّاهِنُ بِالْأَخْذِ مَا لَمْ