شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء التاسع

الجزء ٩ · صفحة ٢٠٣

وَقِيلَ: بَعْدَهُ مَا لَمْ يَحْلِفْ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ تَقْطَعُ الْحَقَّ،

---------------------------

بِتَمَامِهِ، وَتَمَامُهُ الْيَمِينُ، وَإِنْ حَلَّفَهُ بِلَا حُكُومَةِ حَاكِمٍ جَازَ لَهُ الْأَخْذُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِالْأَخْذِ حَتَّى يَحْلِفَ بِحُكُومَةِ الْحَاكِمِ لَكِنْ هَذِهِ فِي الْوَصْفِ أَوْ فِي الْإِفْتَاءِ لِأَنَّ الْأَخْذَ لَا يُحْكَمُ بِهِ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ حَالَ الْخُصُومَةِ.

(وَقِيلَ:) يَجُوزُ (بَعْدَهُ)، أَيْ بَعْدَ الْجُحُودِ (مَا لَمْ يَحْلِفْ) بِأَمْرِهِ، وَإِنْ حَلَفَ بِلَا

أَمْرٍ مِنْهُ فَكَمَنْ لَمْ يَحْلِفْ يَجُوزُ لَهُ الْأَخْذُ مِنْهُ، وَإِذَا حَلَفَ بِأَمْرِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْأَخْذُ (بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ)، أَيْ الْفَاجِرَ صَاحِبُهَا عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَوْ بِالْإِسْنَادِ الْمَجَازِيّ (تَقْطَعُ الْحَقَّ) إذَا تَبَيَّنَ بَعْدَهَا، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ وَفِي الْحُكْمِ أَيْضًا، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الْيَمِينَ تَغْلِيظٌ عَلَى الْحَالِفِ، فَإِنَّهَا إذَا كَانَتْ فَاجِرَةً تَذَرُ الدِّيَارَ بلاقع وَتَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي النَّارِ، فَإِذَا حَلَّفَهُ فَقَدْ عَرَّضَهُ بِتَحْلِيفِهِ لِذَلِكَ، وَاسْتُدِلَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِمَا رُوِيَ: أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَتَاهُ آتٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ فُلَانًا أَخَذَ مَالِي وَمَنَعَنِي حَقِّي، أَوْ قَالَ جَحَدَنِي أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَعِنْدَكَ بَيِّنَةٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَيَمِينُهُ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إذًا يَحْلِفُ وَيَذْهَبُ مَالِي، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ لَكَ إلَّا ذَاكَ﴾، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الْيَمِينِ شَيْءٌ وَلَا تُقْبَلُ لَهُ بَيِّنَةٌ بَعْدَ الْيَمِينِ، وَأَقُولُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَيْسَ لَكَ إلَّا ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ الظَّاهِرِ الْحَاضِرِ، وَأَمَّا فِيمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ اللَّهِ فَلَكَ أَخْذُ حَقِّكَ بَعْدَ يَمِينِهِ أَيْضًا، وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ الَّذِي لَمْ يَحْضُرْ الْآنَ، فَإِذَا حَضَرَ بِأَنْ أَقَرَّ أَوْ بَيَّنْتَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يُحْكَمُ لَكَ بِمَالِكَ بَعْدَ يَمِينِهِ، وَهُوَ الظَّاهِرُ عِنْدِي، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى لَيْسَ لَكَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ