شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء العاشر

الجزء ١٠ · صفحة ٣٨

...............................

-------------------

وَفِي " السِّيَرِ " فِي مَنَاقِبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سودرين قَالَ: وَقَدْ اجْتَمَعَتْ بورجلان فِي الْمَسْجِدِ الْكَبِيرِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمَشَايِخِ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ الْمَدْيُونِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ سودرين وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زوزرتن وَغَيْرُهُمْ، فَسَأَلَهُمْ رَجُلٌ عَنْ مَسْأَلَةٍ وَهِيَ الْأُجْرَةُ: هَلْ تُؤْخَذُ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ الْمَدْيُونِيُّ: أَجِبْ، فَقَالَ: نَعَمْ إنْ لَمْ تُؤْخَذْ عَلَيْهِ، فَعَلَى مَنْ تُؤْخَذُ إذًا عَلَى رَعْيِ الْبَقَرِ؟ فَسَكَتَ الْعُلَمَاءُ تَوْقِيرًا لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُحْسِنْ فِي الْجَوَابِ لِجَوَازِ الْأُجْرَةِ عَلَى رَعْيِ الْبَقَرِ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ عَلَى تَعْلِيمِ الْحُرُوفِ وَالْأَدَبِ.

قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ: الْعُذْرُ لَهُ أَنَّهُ لَوْ مَنَعَهَا كَانَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى تَرْكِ التَّعْلِيمِ فَيُفْضِي إلَى تَمَامِ الْجَهْلِ، وَتَصْيِيرِ النَّاسِ أُمِّيِّينَ ا هـ وَظَاهِرُ سُؤَالِ الرَّجُلِ أَنَّهُ سَأَلَ عَلَى أُجْرَةِ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ لَا عَلَى تَعْلِيمِ حُرُوفِهِ، فَكَانَ جَوَابُ الْمَدْيُونِيِّ عَلَى أُجْرَةِ تَعْلِيمِهِ بِالْجَوَازِ، لِأَنَّ السَّائِلَ قَالَ: تَعْلِيمُ الْقُرْآنِ وَلَمْ يَقُلْ تَعْلِيمُ حُرُوفِ الْقُرْآنِ وَأَدَبِهِ، وَإِنَّمَا سَاغَ لَهُمْ تَوْقِيرُهُ لِاخْتِلَافِ الْأُمَّةِ فِي ذَلِكَ أَوْ لِأَنَّهُ اجْتِهَادُهُ وَتَوْجِيهُهُ كَلَامَهُ بِتَقْدِيرِ حُرُوفِ الْقُرْآنِ وَأَدَبِهِ خِلَافَ الْأَصْلِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحَذْفِ وَلَكِنْ ارْتَكَبَهُ مِنْ وَجْهِ كَلَامِهِ بِهِ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ تَحْرِيمُ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِهِ وَظُهُورِ تَحْرِيمِهِ، فَكَانَ ذَلِكَ كَالْقَرِينَةِ عَلَى الْحَذْفِ لَكِنْ الْمُتَبَادَرُ أَنْ لَوْ كَانَ هَذَا الْمَحْذُوفُ مُرَادَ السَّائِلِ لَذَكَرَهُ فِيمَا يَتَبَادَرُ، بَلْ لَوْ أَرَادَ هَذَا لَضَعُفَ كَلَامُهُ جِدًّا لِأَنَّ مُرِيدَ التَّعْلِيمِ لِلْكِتَابَةِ إنَّمَا يُرِيدُ تَعَلُّمَ كِتَابَةِ الْحُرُوفِ مُطْلَقًا

لَا حُرُوفَ الْقُرْآنِ خُصُوصًا، وَدَعْوَى أَنَّ الْمُرَادَ خُصُوصُ حُرُوفِهِ بِاعْتِبَارِ مَا يُكْتَبُ مُمَالًا وَمَا يُكْتَبُ غَيْرَ مُمَالٍ، وَمَا يُكْتَبُ بِخِلَافِ السَّوَادِ مِنْ الْحُذُوفَاتِ وَمَا يُكْتَبُ بِالْعَدِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ تَكَلُّفٌ.

وَأَمَّا الْعُذْرُ بِأَنَّ تَرْكَ الْأُجْرَةِ يُفْضِي إلَى تَرْكِ التَّعْلِيمِ، وَتَرْكُهُ يُفْضِي إلَى صَيْرُورَةِ النَّاسِ أُمِّيِّينَ فَلَا يُبِيحُ أَخْذَ الْأُجْرَةِ