شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء العاشر

الجزء ١٠ · صفحة ٤٠

..............................

---------------------

وَدَلِيلُ مَالِكٍ الْقَائِلُ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا قَالَ: وَهُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ: الْقُرْآنُ وَالْحَدِيثُ وَالْعَمَلُ وَالنَّظَرُ، فَدَلِيلُ الْقُرْآنِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ وَأَيُّ بِرٍّ أَعْظَمُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَدَلِيلُ الْحَدِيثِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ﴾ " [رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ].

وَرُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: ﴿إنِّي وَهَبْت لَك نَفْسِي فَأَعْرَضَ عَنْهَا فَأَعَادَتْ ثَانِيَةً، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْمَجْلِسِ: إنْ لَمْ تَكُنْ لَك بِهَا حَاجَةٌ فَزَوِّجْنِيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: هَلْ مَعَك شَيْءٌ؟ فَقَالَ: لَيْسَ مَعِي شَيْءٌ إلَّا إزَارِي هَذَا إنْ دَفَعْته إلَيْهَا بَقِيت بِلَا إزَارٍ، فَقَالَ لَهُ: الْتَمِسْ شَيْئًا وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ فَقَالَ: لَمْ أَجِدْ، فَقَالَ: هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، مَعِي مِنْهُ كَذَا وَكَذَا فَزَوَّجَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يُعَلِّمَهَا مَا مَعَهُ مِنْ الْقُرْآنِ﴾.

فَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ بِالْإِجَارَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى جَوَازِ النِّكَاحِ بِتَعْلِيمِ الْقُرْآنِ صَدَاقًا وَلَكِنْ لَمْ يَأْخُذْ بِهِ مَالِكٌ فِي النِّكَاحِ عَلَى مَشْهُورِ مَذْهَبِهِ، وَفِي الْمَذْهَبِ قَوْلٌ شَاذٌّ بِجَوَازِهِ فِي الصَّدَاقِ، وَدَلِيلُ الْعَمَلِ أَنَّ عُلَمَاءَ الْمَدِينَةِ

جَوَّزُوهُ وَأَعْطَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ الْأَجْرَ عَلَى تَعْلِيمِ بَنِيهِ، وَقَدْ عَلَّمَ عَطَاءٌ فِي مَبْدَإِ أَمْرِهِ بِأُجْرَةٍ، وَكَذَا غَيْرُهُ قَالَ مَالِكٌ: لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا كَرِهَ تَعْلِيمَ الْقُرْآنِ أَوْ الْكِتَابَةَ بِأُجْرَةٍ.

وَأَمَّا الْوَجْهُ الَّذِي تَجُوزُ الْإِجَارَةُ عَلَى وَجْهِ الْأَجْرِ أَوْ عَلَى الْجُعْلِ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْجَوَازُ، وَالْمَنْعُ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ فِي الرِّسَالَةِ الْجَوَازُ لِقَوْلِهِ: " وَلَا بَأْسَ بِتَعَلُّمِ الْمُعَلَّمِ عَلَى الْحِدَاقِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ، وَدَلِيلُ جَوَازِهِ الْقِيَاسُ عَلَى الْجُعْلِ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَابِ، وَدَلِيلُ الْمَنْعِ أَنَّهُ مَجْهُولٌ لَا يُدْرَى