شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الأول

الجزء ٢ · صفحة ٧٣

وَأُبِيحَ لِكُلِّ مَخُوفٍ كَرُكُوبِ الْبَحْرِ

---------------------

(وَأُبِيحَ) الْوُضُوءُ لَأَنْ يَكُونَ عَلَى طَهَارَةٍ مِنْ غَيْرِ إرَادَةِ صَلَاةٍ، و (لِكُلِّ مَخُوفٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَمِّ الْخَاءِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ، اسْمُ مَفْعُولِ خَافَ، يُقَالُ: خِفْتُ شَيْئًا فَالشَّيْءُ مَخُوفٌ، وَخِفْتُ مِنْهُ فَهُوَ مَخُوفٌ مِنْهُ أَوْ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مَشْدُودَةً، (كَرُكُوبِ الْبَحْرِ)، وَنُزُولِ الْبِئْرِ، وَطُلُوعِ النَّخْلَةِ، وَالْمَشْيِ حَيْثُ يُخَافُ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ سَيْلٍ وَيُثَابُ فَاعِلُ الْمُبَاحِ عَلَى نِيَّتِهِ إنْ نَوَى خَيْرًا، وَالْوَاضِحُ عَدُّ الْوُضُوءِ لِلْمَخُوفِ مَنْدُوبًا لِأَنَّهُ لِقَصْدِ الْمَوْتِ عَلَى طَهَارَةٍ، بَلْ خُلَاصَةُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ بِوُضُوئِهِ السَّلَامَةَ مِنْ الْمَخُوفِ أَوْ نَجَاحَ أَمْرِهِ كَرِبْحٍ فِي تَجْرِهِ، وَغَلَبَةِ مَنْ يُخَاصِمُهُ مُبْطِلًا، وَإِدْرَاكِ مَأْمُولِهِ الْمُبَاحِ كَانَ مُبَاحًا، وَإِنْ أَرَادَ إنْ أَدْرَكَتْهُ الْوَفَاةُ أَدْرَكَتْهُ طَاهِرًا كَانَ مَنْدُوبًا، فَلْيُحْمَلْ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ عَلَى الْأَوَّلِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْوُضُوءَ بِحَسَبِ الْمُتَوَضَّأِ لَهُ، فَرْضٌ لِلْمَفْرُوضِ، مَسْنُونٌ لِلْمَسْنُونِ أَعْنِي مِنْ الصَّلَاةِ مَنْدُوبٌ لِلْمَنْدُوبِ مِنْ الْعِبَادَاتِ، مُبَاحٌ لِلْمُبَاحِ، وَقِيلَ لَا نَفْلَ إلَّا بِوُضُوءٍ، وَكَذَا السُّنَّةُ.

وَعَلَيْهِ فَهَلْ يُسَمَّى الْوُضُوءُ لَهُمَا فَرْضًا بِمَعْنَى أَنَّهُمَا لَا يَصِحَّانِ وَلَا يُثَابُ عَلَيْهِمَا إلَّا بِهِ، أَوْ يُسَمَّى شَرْطًا لِانْتِفَائِهِمَا بِانْتِفَائِهِ؟ لَا فَرْضًا لِمَا يُوهِمُ لَفْظُ الْفَرْضِ مِنْ لُزُومِهِ، مَعَ أَنَّهُ لَوْ تُرِكَ هُوَ وَتِلْكَ الصَّلَاةُ لَمْ يَكْفُرْ قَوْلَانِ لَفْظِيَّانِ كَمَا رَأَيْتُ وَلَمَا صَدَقَ وَاحِدٌ، أَمَّا الْمَنْدُوبُ فَهُوَ مَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ تَفَضُّلًا، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ فِي الْآخِرَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَرْكٌ، وَلَوْ عُوقِبَ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى كَانَ تَرْكُهُ تَهَاوُنًا بِالدِّينِ، وَمَعْنَاهُ لُغَةً الْمَدْعُوُّ إلَيْهِ، وَالْمُبَاحُ مَا لَا يُثَابُ عَلَى فِعْلِهِ وَلَا عَلَى تَرْكِهِ، وَلَا يُعَاقَبُ عَلَى تَرْكِهِ وَلَا عَلَى فِعْلِهِ، مِنْ حَيْثُ الْفِعْلِ أَوْ التَّرْكِ، وَلَوْ أُثِيبَ عَلَيْهِ أَوْ عُوقِبَ مِنْ جِهَةِ النِّيَّةِ، وَهُوَ لُغَةً الْمُوَسَّعُ فِيهِ، وَالْمَسْنُونُ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ أَوْ قَالَهُ أَوْ قَرَّرَ غَيْرَهُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ مَا فَعَلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَالْبَسْطُ فِي مَحَلِّهِ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْوُضُوءَ فِيهِ الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ كَمَا مَرَّ وَالْإِبَاحَةُ كَالْوُضُوءِ لِيَنْجَحَ فِي تَجْرِهِ،

٥٨٢ / ١١٬٧٠٢