شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الحادي عشر

الجزء ١١ · صفحة ٣٣٨

..............................

-------------------------

الشُّفْعَةَ تَكُونُ بِالشَّرِكَةِ وَالْجِوَارِ كَمَا ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لِأَنَّ الْعِلَّةَ دَفْعُ الْمَضَرَّةِ وَجَلْبُ الْمَنْفَعَةِ، وَهِيَ تُوجَدُ فِي الْجَارِ كَمَا فِي الشَّرِيكِ، وَلَوْ لَمْ تُمْكِنْ الْقِسْمَةُ أَيْضًا، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: الشُّفْعَةُ مَا لَمْ تُقْسَمْ أَنَّ ذَلِكَ فِيمَا أَمْكَنَ قَسْمُهُ، وَأَمَّا مَا لَمْ يُقْسَمْ فَمَتَى بِيعَتْ حِصَّةٌ فِيهِ أُدْرِكَتْ شُفْعَتُهَا، فَإِذَا قُسِمَتْ وَضُرِبَتْ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ إلَّا بِسَبَبٍ آخَرَ كَالْمَنَافِعِ وَالْمَضَارِّ فَتُحْمَلُ أَحَادِيثُ الْجَارِ عَلَى ظَاهِرِهَا الْمُتَبَادَرِ

وَهُوَ الْمُلَاصِقُ فَمَعْنَى ﴿لَا شُفْعَةَ إلَّا لِشَرِيكٍ﴾ أَنَّهُ لَا يَتَقَدَّمُهُ الْجَارُ، فَإِذَا تَرَكَهَا الشَّرِيكُ أَوْ لَمْ تَكُنْ الشَّرِكَةُ فَهِيَ لِلْجَارِ، وَيُقَوِّيهِ حَدِيثُ أَبِي رَافِعٍ الْمَذْكُورُ لِأَنَّ لَهُ بَيْتَيْنِ فِي دَارِ سَعْدٍ مُتَمَيِّزَيْنِ لَا شَائِعَيْنِ، فَذَكَرَ الشُّفْعَةَ فِي شَأْنِهِمَا إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَهَا مِنْ عِنْدِهِ لَا مِنْ الْحَدِيثِ، لَكِنْ ذِكْرُهُ إيَّاهَا كَالْحَدِيثِ الْمَوْقُوفِ تُقَوِّيهِ أَلْفَاظُ الْجَارِ فِي الْأَحَادِيثِ.

وَالْأَصْلُ عَدَمُ تَأْوِيلِ الْجَارِ بِالشَّرِيكِ، وَلَا يُقَالُ: يَلْزَمُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الظَّاهِرِ أَنَّهُ يَكُونُ أَحَقَّ بِصَقَبِهِ مِنْ الشَّرِيكِ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمَعْنَى حَقِيقٌ بِصَقَبِهِ أَوْ أَحَقُّ مِمَّنْ لَيْسَ مُجَاوِرًا إلَّا مِنْ الشَّرِيكِ، وَمِمَّنْ أَثْبَتَهَا بِالْجِوَارِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَفِي الْجَامِعِ لِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ: إنْ لَمْ يَقْطَعْ طَرِيقٌ، وَكَذَا يَشْتَرِطُ مَنْ أَثْبَتَهَا مِنْ أَصْحَابِنَا، وَرَدَّهُ ابْنُ بَرَكَةَ بِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْ الطَّرِيقُ لِحُصُولِ الْجِوَارِ مَعَ وُجُودِ الطَّرِيقِ، قُلْتُ: بَلْ الطَّرِيقُ فَاصِلٌ مَانِعٌ مِنْ الْجِوَارِ، وَمِمَّنْ أَثْبَتَهَا بِالْجِوَارِ اليسوي، قَالَ: وَمَنْ كَانَ أَقْرَبَ كَانَ أَوْلَى بَيْنَ الدَّارَيْنِ، وَلِلْجَارِ الْمُقَابِلَةُ فِي السِّكَّةِ غَيْرُ النَّافِذَةِ، أَمَّا الْمُقَابِلَةُ فِي النَّافِذَةِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ اتِّفَاقًا، وَأَقْوَى حُجَّةٍ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿الْجَارُ أَحَقُّ بِشُفْعَةِ جَارِهِ، يُنْتَظَرُ بِهَا وَإِنْ كَانَ غَائِبًا إذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا﴾ فَتَرَاهُ قَالَ: طَرِيقُهُمَا وَاحِدًا، وَمَا ذَلِكَ إلَّا لِكَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَهُ حِصَّةٌ مُتَعَيَّنَةٌ تَحْتَاجُ إلَى طَرِيقٍ يَكُونُ وَاحِدًا لَهُمَا مَعًا تَارَةً وَكُلُّ وَاحِدٍ طَرِيقٌ تَارَةً، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ