شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الثاني عشر

الجزء ١٢ · صفحة ٦

وَلِثَوَابِ الْآخِرَةِ صَدَقَةٌ ................................................................... --------------

تَمْلِيكًا لَكِنْ يُمْنَعُ فِيهِ مِنْ الْبَيْعِ وَبِأَنَّهُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، وَعَنْ الثَّانِي بِأَنَّهُ تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ وَإِطْلَاقُ التَّمْلِيكِ إنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْأَعْيَانُ وَالْهِبَةُ، قَالَ بَعْضٌ: شَامِلَةٌ لِلْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ، فَأَمَّا الْهَدِيَّةُ فَهِيَ تَمْلِيكُ مَا يُبْعَثُ غَالِبًا بِلَا عِوَضٍ إكْرَامًا لِلْمَبْعُوثِ إلَيْهِ، وَلَا رُجُوعَ فِي الْهَدِيَّةِ إذَا كَانَتْ لِأَجْنَبِيٍّ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَبِ لِوَلَدِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ مَا لَمْ يُحْدِثْ الْوَلَدُ لِأَجْلِهَا شَيْئًا كَنِكَاحٍ وَمِنْهَا الْهَدْيُ الْمَنْقُولُ إلَى الْحَرَمِ وَلَا يُطْلَقُ اسْمُ الْهَدِيَّةِ عَلَى الْأُصُولِ لِأَنَّهَا لَا تُنْقَلُ،

وَقَدْ أُطْلِقَ اسْمُ الْهَدِيَّةِ فِي لَحْمِ بَرِيرَةَ وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاضِرٌ عَلَى غَيْرِ الْغَالِبِ، أَوْ لِأَنَّهُ يُنْقَلُ مِنْ مَوْضِعِهِ إلَى حَيْثُ هُوَ فِي الدَّارِ أَوْ يُشِيرُ إلَى أَنْ تَبْعَثَ بِهِ إلَى مَنْزِلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَنْ قَالَ: عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ هَذَا الْبَيْتَ أَوْ هَذِهِ الْأَرْضَ مِمَّا لَا يُنْقَلُ؛ بِيعَ وَنُقِلَ ثَمَنُهُ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ، (وَ) اسْمُ الْهِبَةِ (لِ) أَجْلِ (ثَوَابِ الْآخِرَةِ صَدَقَةٌ) وَأَمَّا لِثَوَابِ الدُّنْيَا فَهِبَةُ ثَوَابٍ، وَالْهِبَةُ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ يَشْمَلُهَا أَلْفَاظُ الْحَدِّ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: إلَى عِوَضٍ أَنَّهَا بِلَا عِوَضٍ دُنْيَوِيٍّ فَلَهَا اسْمَانِ: هِبَةٌ وَصَدَقَةٌ، لَكِنْ أَرَادَ أَنْ يُسَمِّيَهَا بِاسْمِهَا الْخَاصِّ الْمُعْتَادِ شَرْعًا فَأَشَارَ إلَى أَنَّ مَا كَانَ لِقَصْدِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ يُسَمَّى صَدَقَةً، وَمَا كَانَ مُهْمَلًا أَوْ مَقْصُودًا فِيهِ غَرَضٌ غَيْرَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَغَيْرَ ثَوَابِ الدُّنْيَا كَالْإِعْطَاءِ لِمُجَرَّدِ رِقَّةِ الْقَلْبِ أَوْ لِلرِّئَاءِ يُسَمَّى هِبَةً، وَدَخَلَ فِي هِبَةِ الثَّوَابِ مَا وُهِبَ لِشَيْءٍ مُقَدَّمٍ أَوْ لِاسْتِجْلَابِ شَيْءٍ مَا كَانَ حَلَالًا وَمَا كَانَ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا مَا كَانَ ذَاتًا أَوْ مَا كَانَ مَعْنًى كَالزِّنَا وَالْغِنَاءِ، قَالَ بَعْضٌ: الصَّدَقَةُ تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ لِلْمُحْتَاجِ لِثَوَابِ الْآخِرَةِ، وَالْهِبَةُ تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ خَالٍ عَمَّا ذُكِرَ فِي الصَّدَقَةِ، وَالصَّدَقَةُ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ لَفْظًا مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: وَهَبْت لَك هَذَا، فَتَقُولُ: قَبِلْت، وَلَا يُشْتَرَطَانِ فِي الْهَدِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ بَلْ يَكْفِي الْبَعْثُ مِنْ هَذَا وَالْقَبْضُ مِنْ ذَاكَ، وَكُلٌّ مِنْ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ هِبَةٌ وَلَا عَكْسَ، فَلَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَوْ أَهْدَى لَهُ حَنِثَ، وَالِاسْمُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يَنْصَرِفُ إلَى الْأَخِيرِ.