الجزء الثاني عشر
الجزء ١٢ · صفحة ١٥..................................................................................
-------------
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ مِنَّا أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الرَّاجِعُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ الرَّاجِعِ فِي قَيْئِهِ، أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الرُّجُوعُ فِيهَا كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْقَيْءِ، وَقِيلَ: الْكَلْبُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ إذَا رَجَعَ فِي قَيْئِهِ لَمْ يَضُرَّهُ، فَكَذَا لَا يَضُرُّ الْوَاهِبَ الرُّجُوعُ فِيهَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَإِنْ كَانَ الْوَلَدُ بَالِغًا فَوَهَبَ لَهُ أَبُوهُ هِبَةً وَمَيَّزَهَا لَهُ وَهُوَ فِي عِيَالِ الْأَبِ وَلَمْ يَقْبِضْ فَقَالَ الرَّبِيعُ وَابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: لَا تَجُوزُ وَبِهِ نَأْخُذُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّادٍ: جَائِزَةٌ، وَلَعَلَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ فِي الْهِبَةِ لِلْوَلَدِ، وَلَكِنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ صِحَّةٍ فَلَا تَثْبُتُ إلَّا بِقَبْضٍ مَقْرُونٍ بِهَا بَعْدَ قَبُولٍ عِنْدَ بَعْضٍ، وَشَرْطِ تَمَامٍ عِنْدَ بَعْضٍ، فَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِيهَا مَا لَمْ تَقْبِضْ وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهَا فِي مَرَضِهِ أَوْ مَرَضِ الْوَلَدِ إذَا كَانَ مَرَضًا تَرْجِعُ فِيهِ الْأَفْعَالُ لِلثُّلُثِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَرَدِّ وَارِثِ الْأَبِ مِنْ الْأَبِ إنْ مَرِضَ الْأَبُ، وَكَرَدِّ الْأَبِ مِنْ وَارِثِ الِابْنِ إنْ مَرِضَ الِابْنُ، وَعَنْ ابْنِ اللَّيْثِ عَنْ الدَّاوُدِيِّ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ: جَوَازُ رُجُوعِ الْأُمِّ أَيْضًا كَالْأَبِ، قَالَ: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، إلَّا أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا، فَأَجَازُوا رُجُوعَهَا إنْ كَانَ الْأَبُ حَيًّا، وَقَيَّدُوا رُجُوعَ الْأَبِ أَيْضًا بِمَا لَمْ يُحْدِثْ الِابْنُ بِهَا دَيْنًا أَوْ نِكَاحًا أَوْ حَدَثًا، وَبِهِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ، وَقَالُوا: لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِي مَرَضِ أَحَدِهِمَا، وَهُوَ حَقٌّ عِنْدِي لِأَنَّهُ إنْ مَرِضَ الْوَلَدُ فَكَأَنَّهُ أَخَذَ مِنْ الْوَارِثِ، وَإِنْ مَرِضَ الْأَبُ فَكَأَنَّهُ أَخَذَ وَارِثَهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ: لَا يَرْجِعُ إنْ قَصَدَ الرَّحِمَ، قُلْت: لِأَنَّهُ إبْطَالٌ لِلْعَمَلِ، وَكَذَا إنْ قَصَدَ طَاعَةَ
اللَّهِ، وَقَالَ: لَا رُجُوعَ إنْ افْتَقَرَ الْوَلَدُ، وَقَالَ بَعْضٌ: لَا رُجُوعَ فِيمَا وَهَبَ لِلْبِنْتِ، وَالْإِطْلَاقُ يَرُدُّهُ وَالْمَشْهُورُ وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَنَّ لِلْأَبِ الرُّجُوعَ مُطْلَقًا، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا رُجُوعَ لِأَحَدٍ وَلَوْ أَبًا وَيَرُدُّهُ الْحَدِيثُ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَا رُجُوعَ لِلْأَبِ إنْ كَانَ الْأَبُ صَغِيرًا أَوْ كَانَ كَبِيرًا وَقَبَضَهَا، وَيَرُدُّهُ إطْلَاقُ الْحَدِيثِ وَهُوَ حُجَّةُ الْجُمْهُورِ، وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الْوَلَدَ وَمَالَهُ لِأَبِيهِ فَلَيْسَ فِي الْحَقِيقَةِ