شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الثاني عشر

الجزء ١٢ · صفحة ٤١

.....................................................................................

---------------

وَلَعَلَّ مُرَادَهُ بِقَوْلِهِ: مِثْلُهُمَا، مَا يَعُمُّ هِبَةَ الْفَقِيرِ لِغَنِيٍّ، وَإِلَّا لَمْ تَدْخُلْ بِالْأَوْلَوِيَّةِ وَلَا بِالتَّصْرِيحِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعُمَّ هِبَةَ الْغَنِيِّ لِفَقِيرٍ فَتَدْخُلُ بِالتَّصْرِيحِ، وَقِيلَ: لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ مِنْ الْفَقِيرِ لِلْغَنِيِّ إلَّا عَلَى وَجْهِ ضَمَانِ الْبَدَلِ، وَفَقْرُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْعِوَضُ وَرُدَّ بِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبِلَ هِبَةَ بَرِيرَةَ مَوْلَاةِ عَائِشَةَ وَهِيَ فَقِيرَةٌ وَهَبَتْ لَهُ لَحْمًا دَخَلَ عَلَيْهِ تَفُورُ الْقِدْرُ بِهِ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَيْهَا عِوَضًا مِنْ دَرَاهِمِ الزَّكَاةِ مَثَلًا أَوْ شَاةَ زَكَاةٍ، فَقَالَ: " ﴿هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا مِنْ عِنْدِهَا هَدِيَّةٌ﴾ " وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ الْبَدَلَ، وَالصَّدَقَةُ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ رَفْعًا لِقَدْرِهِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِأَحَدٍ عَلَيْهِ يَدٌ، وَتَعْظِيمًا لِأَجْرِهِ إذْ مُنِعَتْ عَنْهُ، وَهُوَ قَلِيلُ الْمَالِ جَائِعٌ مُشْتَغِلٌ بِأَمْرِ الرِّسَالَةِ، وَقِيلَ: يُنْدَبُ لِغَنِيٍّ أَنْ يُكَافِئَ فَقِيرًا لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يُهْدَى إلَيْهِ إلَّا لِلتَّعَرُّضِ لِمُكَافَأَتِهِ إلَّا إنْ سَبَقَ بَيْنَهُمَا التَّعَرُّفُ أَوْ اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ أَنَّهُ لَا يُرِيدُ إلَّا اللَّهَ، وَبَعْضٌ كَرِهَ هَدِيَّتَهُ لِغَنِيٍّ وَأَلْزَمَهُ مُكَافَأَتَهُ كَمَا مَرَّ أَوْ يُوصِي بِهَا، وَبَعْضٌ كَرِهَ قَبُولَهَا وَلَمْ يُلْزِمْهُ الْمُكَافَأَةَ إلَّا نَدْبًا،

وَيَجُوزُ قِيلَ: قَبُولُهَا مَعَ الْمُكَافَأَةِ وَلَا بُدَّ، وَيَجُوزُ رَدُّهَا، وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهَا لِئَلَّا يَنْكَسِرَ قَلْبُهُ مِنْ الْمُكَافَأَةِ.

وَمَنْ وَهَبَ لِيُكَافَأَ بِأَكْثَرَ لَزِمَهُ رَدُّ الزِّيَادَةِ عِنْدَ بَعْضٍ، وَمَنْ وَهَبَ مَالَهُ كُلَّهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ لَمْ يَحِلَّ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لِلْأَجْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وَإِنْ فَعَلَ فَقِيلَ: هِبَةٌ مَاضِيَةٌ، وَقِيلَ: بَاطِلَةٌ، وَقِيلَ: يَجُوزُ ثُلُثُهَا، وَقِيلَ: إنْ بَقِيَ لَهُ مِنْ مَالِهِ شَيْءٌ جَازَتْ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَقَدْرُهُ مَا يُفْلِسُ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ، وَفِيهِ خِلَافٌ؛ فَقِيلَ: هُوَ مَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ فِي الْوَقْتِ وَلَا يُجَاوِزُهُ إلَى غَيْرِهِ إذَا لَمْ يُبَيِّنْ ضَرَرَهُ فِي الْوَقْتِ وَقِيلَ: يَتْرُكُ لَهُ غَدَاءً وَعَشَاءً وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ لِبَاسٍ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِيمَا يُوَصِّلُهُ إلَى مُدَّةٍ أَوْ بَلْدَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَاخْتُلِفَ فِي الْمُدَّةِ، فَأَهْلُ الْأَسْوَاقِ يُتْرَكُ لَهُمْ قُوتُهُمْ فِي مِقْدَارِ.