الجزء الثاني عشر
الجزء ١٢ · صفحة ١٠٢وَمِنْهَا مَا شُرِطَ فِيهَا مَا حَيِيَ الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَتُسَمَّى الْعُمْرَى، كَأَنْ يَقُولَ شَخْصٌ
------------
مُؤَقَّتَةٌ تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ الْمُطْلَقَةِ، كَمَا إذَا مَلَكَ الْعَبْدُ مَنْفَعَةَ نَفْسِهِ وَوَهَبَهَا إيَّاهُ، فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ بِعَارِيَّةٍ، وَتَخْرُجُ الْإِجَارَةُ بِقَوْلِك: لَا بِعِوَضٍ
، لِأَنَّهَا بِعِوَضٍ ذَكَر ذَلِكَ ابْنُ عَاصِمٍ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ لِلْمُعَارِ أَنْ يُعِيرَ مُخَالِفٌ لِمَا عِنْدَنَا، فَفِي " الدِّيوَانِ ": لَا يَجُوزُ أَنْ يُكْرِيَ ذَلِكَ الشَّيْءَ، وَلَا أَنْ يُعِيرَهُ لِغَيْرِهِ ا هـ.
وَالْأَصْلُ فِيهَا قَبْلَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ فَسَّرَهُ الْجُمْهُورُ بِمَا يَسْتَعِيرُهُ الْجِيرَانُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ذَمَّهُمْ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَى مَنْعِهَا، ثُمَّ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِيهَا كَمَا تَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ثُمَّ الْإِجْمَاعُ.
(وَمِنْهَا) أَيْ مِنْ هِبَةِ الْمَنَافِعِ وَهُوَ مُقَابِلٌ لِقَوْلِهِ: إمَّا مُؤَجَّلَةٌ أَيْ وَإِمَّا (مَا شُرِطَ فِيهَا مَا حَيِيَ الْمَوْهُوبُ لَهُ) فَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَ فِيهَا قَطْعُ بَعْضِ الْعُمْرِ أَجَلًا، بَلْ عُمْرُهُ كُلُّهُ فَكَأَنَّهُ لَمْ يُؤَجَّلْ لَهُ فَلِذَلِكَ كَمَا مَرَّ قَابَلَ بِهِ الْمُؤَجَّلَةَ، وَ " مَا " مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْمَصْدَرُ نَائِبُ فَاعِلِ شُرِطَ (وَتُسَمَّى الْعُمْرَى) بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ مَعَ الْقَصْرِ، وَحُكِيَ ضَمُّهُمَا مَعًا، وَحُكِيَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ وَهُوَ لَفْظٌ مَأْخُوذٌ مِنْ الْعُمْرِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهَا هِبَةٌ لِلْإِنْسَانِ مُدَّةَ عُمْرِهِ، أَيْ زَمَانَ حَيَاتِهِ الْمُسْتَقْبَلَ كُلَّهُ، يُقَالُ: أَعْمَرْتُكَ الدَّارَ، أَيْ أَبَحْتهَا لَك مُدَّةَ عُمْرِك، وَتُسَمَّى أَيْضًا: الرُّقْبَى بِوَزْنِ الْعُمْرَى، مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْمُرَاقَبَةِ، لِأَنَّ الْوَاهِبَ يَرْقُبُ مَوْتَ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِتَرْجِعَ إلَيْهِ، وَكَذَا وَرَثَةُ الْوَاهِبِ، وَأَمَّا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَيُرَاقِبُ هُوَ وَمَنْ يَنْتَفِعُ مَعَهُ مَوْتَهُ أَعْنِي مَوْتَ الْمَوْهُوبِ لَهُ مُرَاقَبَةَ خَوْفٍ وَتَوَقُّعٍ لَا مُرَاقَبَةَ حُبٍّ، أَوْ هِيَ مِنْ الرَّقَبَةِ، لِأَنَّهَا مُبَاحَةٌ مُدَّةَ بَقَاءِ رَقَبَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَيْ مَا لَمْ تُقْطَعْ عُنُقُهُ بِمَوْتٍ وَأَعْنِي بِقَطْعِ عُنُقِهِ بِالْمَوْتِ ذَهَابَهُ بِالْمَوْتِ، أَوْ لِأَنَّ الْوَاهِبَ يَنْتَظِرُ انْقِطَاعَهُ بِالْمَوْتِ وَذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَرَّرَهُ الشَّرْعُ عَلَى خِلَافٍ (كَأَنْ يَقُولَ شَخْصٌ)