شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الثاني عشر

الجزء ١٢ · صفحة ١٠٦

وَالْأَقَلُّ لَا يُجِيزُ ذَلِكَ وَلَا يَرَاهُ لِوَارِثِهِ إلَّا إنْ قَالَ: هِيَ لَك وَلِعَقِبِك

-------------

عُمْرَى بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ عَلَى مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ الرُّجُوعِ، فَلَيْسَ لَهُمْ الْعُمْرَى

الْمَعْرُوفَةُ عِنْدَهُمْ الْمُقْتَضِيَةُ لِلرُّجُوعِ، فَأَحَادِيثُ النَّهْيِ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْإِرْشَادِ.

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿جَعَلَ الْأَنْصَارُ يَعْمُرُونَ الْمُهَاجِرِينَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا، فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أُعْمِرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ﴾؛ فَتَحَصَّلَتْ الْأَحْوَالُ الثَّلَاثَةُ الْمَذْكُورَةُ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَسَأَلَ سُلَيْمَانُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْفُقَهَاءَ عَمَّنْ قَالَ: أَعْمَرْتُكَهَا وَأَطْلَقَ، فَذَكَرَ لَهُ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ وَغَيْرِهِ أَنَّهَا جَائِزَةٌ، فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: إنَّمَا الْعُمْرَى أَيْ الْجَائِزَةُ إذَا أَعْمَرَ لَهُ وَلِعَقِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ، فَإِذَا لَمْ يَجْعَلْ عَقِبَهُ مِنْ بَعْدِهِ كَانَ لِلَّذِي يَجْعَلُ شَرْطَهُ، قَالَ بَعْضُ الْحُذَّاقِ: إجَازَةُ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى بَعِيدَةٌ عَنْ قِيَاسِ الْأُصُولِ لَكِنَّ الْحَدِيثَ مُقَدَّمٌ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿الْعُمْرَى لِمَنْ أُعْمِرَهَا وَالرُّقْبَى لِمَنْ أُرْقِبَهَا وَالْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ﴾ "، فَجَعَلَ الرُّجُوعَ الْمُقَارَنَ لِلْعَقْدِ مِثْلَ الرُّجُوعِ الطَّارِئِ بَعْدَهُ، فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَ أَنْ يُبْقِيَهَا مُطْلَقًا أَوْ يُخْرِجَهَا مُطْلَقًا فَإِذَا أَخْرَجَهَا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ بَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ الْعَقْدُ مُرَاغَمَةً لَهُ وَهُوَ نَحْوُ إبْطَالِ شَرْطِ الْوَلَاءِ كَمَا فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ، وَالْخِلَافُ فِي الرُّجُوعِ فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى قَبْلَ الْمَوْتِ كَالْخِلَافِ فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ، وَيَجُوزُ لِلْأَبِ، وَالْخِلَافُ فِي شَرْطِ الْقَبُولِ وَالْقَبْضِ كَالْخِلَافِ فِيهَا، وَقَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا مُوَافِقٌ لِمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ ثُبُوتِ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلِعَقِبِهِ وَلَوْ لَمْ يَقُلْ: وَلِعَقِبِهِ، وَخَالَفَهُمْ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَنْ وَافَقَهُ كَمَا قَالَ.

(وَالْأَقَلُّ لَا يُجِيزُ ذَلِكَ وَلَا يَرَاهُ لِوَارِثِهِ إلَّا إنْ قَالَ " هِيَ لَك وَلِعَقِبِك)، أَيْ مَنْ تُخْلِفُهُ مِنْ الْأَوْلَادِ وَلَا يَبِيعُهَا هُوَ وَلَا أَوْلَادُهُ مِنْ بَعْدِهِ