شرح كتاب النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

الجزء الثاني عشر

الجزء ١٢ · صفحة ١٦٣

................................................................................

-------------

بَعْضِ الْآثَارِ: لَا يَجُوزُ لِلْغَنِيِّ أَنْ يَأْخُذَهَا لِنَفْسِهِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَلَا أَنْ يُعْطِيَهَا غَنِيًّا إجْمَاعًا، وَالْإِجْمَاعُ إنَّمَا هُوَ مَشْهُورٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ لِمُلْتَقِطِهَا أَخْذَهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ بِلَا لُزُومِ تَلَفُّظٍ اكْتِفَاءً بِقَصْدِهِ فِي الْحَالِ وَنِيَّتِهِ أَوْ بِقَصْدِهِ حَيْثُ الِالْتِقَاطُ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَتَبَيَّنْ صَاحِبَهَا أَخَذَهَا وَهُوَ وَجْهٌ لِلشَّافِعِيِّ، فَلَوْ انْتَفَعَ بِهَا بِلَا قَصْدِ تَمَلُّكٍ ضَمِنَ مَا انْتَفَعَ بِهِ، وَقِيلَ: الْكُلُّ، وَقِيلَ: لَا تَدْخُلُ مِلْكَهُ إلَّا بِالتَّلَفُّظِ بِإِدْخَالِهِ إيَّاهَا مِلْكَهُ كَسَائِرِ الْعُقُودِ وَهُوَ وَجْهٌ آخَرُ لِلشَّافِعِيِّ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: تَمَلَّكْتهَا، وَهُوَ الَّذِي اسْتَظْهَرُوهُ لَهُ وَشَهَرُوهُ، وَتَكْفِي إشَارَةُ الْأَخْرَسِ وَكَذَا الْكِتَابَةُ مَعَ النِّيَّةِ، وَقِيلَ: يَمْلِكُهَا بِمُضِيِّ الْحَوْلِ أَوْ مُدَّةِ تَعْرِيفِهَا وَالتَّصَرُّفِ وَهُوَ وَجْهٌ آخَرُ لَهُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ لَا خَصْمَ لَهُ حِينَئِذٍ وَلَا مُعَاقِدَ وَهُوَ ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَإِذَا خَالَفَ الشَّرْطَ

فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، فَانْتَفَعَ بِهَا ضَمِنَ النَّفْعَ وَقِيلَ: الْكُلُّ، وَإِذَا تَبَيَّنَ صَاحِبَهَا غَرِمَهَا لَهُ إنْ لَمْ يَقْبَلْ الْأَجْرَ، وَلَعَلَّ أَصْحَابَ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ مِمَّنْ يَقُولُ: لَا يَغْرَمُهَا لِصَاحِبِهَا إذَا أَكَلَهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ، وَقِيلَ: إنَّهُ لَا يُنْفِقُهَا وَلَا يَأْخُذُهَا وَلَكِنْ يَجْعَلُهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ، قُلْت: وَجْهُهُ إنْ جَعَلَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ هُوَ عَيْنُ الْإِنْفَاقِ، لِأَنَّ الْإِمَامَ يُنْفِقُهَا مِنْهُ فِي مَصَالِحِ الْإِسْلَامِ أَوْ مَصَالِحِ دُنْيَا الْمُسْلِمِينَ أَوْ يُعْطِيهَا مَنْ يَظْهَرُ لَهُ وَلَا يُخَالِفُ ذَلِكَ أَحَادِيثَ الْأَمْرِ بِالتَّمَتُّعِ بِهَا، لِأَنَّهَا لَمَّا عُرِضَتْ عَلَى مُتَوَلِّي أَمْرِ بَيْتِ الْمَالِ وَهُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ بِأَمْرِهِ فِيهَا فَكَأَنَّهُ قَبَضَهَا مِنْهُ وَجَعَلَهَا فِي بَيْتِ الْمَالِ.

وَاتَّفَقُوا أَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّمَتُّعِ بِهَا إبَاحَةٌ لَا وُجُوبٌ وَلَا نَدْبٌ، فَيَجُوزُ إجْمَاعًا أَنْ يُنْفِقَهَا، فَإِذَا أَنْفَقَهَا أَوْ تَمَتَّعَ بِهَا أَوْ تَصَرَّفَ فِيهَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُهَا، فَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ يُخَيِّرُهُ بَيْنَ الْأَجْرِ وَالْغُرْمِ، فَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ قَائِمَةً وَقَدْ تَمَلَّكَهَا أَوْ تَصَرَّفَ فِيهَا رَدَّهَا بِعَيْنِهَا وَإِلَّا فَالْمِثْلُ إنْ أَمْكَنَ الْمِثْلُ وَإِلَّا فَالْقِيمَةُ، وَزَعَمَ الْكَرَابِيسِيُّ وَدَاوُد بْنُ عَلِيٍّ